تتدفق هذه الأيام أخبار الجهات الحكومية عن تكويت وظائفها بنسب تصل إلى 100 بالمئة، من خدمات التموين إلى وزارات الدولة وهيئاتها وأجهزتها الفنية، وصولاً إلى السلطة القضائية، في مشهد يعكس - كالعادة - التركيز على العناوين البرّاقة دون بيان الأثر أو المنفعة على واقع الأعمال أو تطور الخدمات.
لستُ - بالطبع - ضد سياسات التكويت التي تستهدف إحلال المواطنين محل الوافدين في الوظائف الحكومية كفكرة، فهي من الناحية المبدئية أمر لا خلاف عليه من حيث أهمية تولّي المواطنين معظم الوظائف في بلدهم، وهي سياسة معروفة بـ "التوطين" نراها منتشرة في الدول التي تعاني اختلالاً سكانياً بين المواطنين والوافدين، وتأخذ حتى في دول مجلس التعاون أسماء متعددة مثل "السعودة أو التعمين أو البحرنة"، حسب توظيف المواطنين محل الوافدين، لكن ملاحظتي يمكن صياغتها في نقطتين:
الملاحظة الأولى تتمثل في ضرورة الاعتراف بأن التكويت بنسبة 100 بالمئة من شأنه أن يحرم العديد من القطاعات والهيئات في البلاد من خبرات مهمة ومن تجارب مختلفة، بل إن جودة وقيمة بعض القطاعات، خصوصاً التعليمية والأكاديمية والقانونية والصحية، مرتبطة بتنوّع الخبرات التي يمكن استقطابها من الخارج وتعدُّد تجاربها وخلفياتها.
وإذا كان قد وقع اختلال إداري في تقييم خبرات الموظفين أو المستشارين أو الفنيين غير الكويتيين في الجهات الحكومية، فهذا يتطلب رفع جودة معايير الاختيار وحوكمتها لا إلغاء الفكرة بنسبة 100 بالمئة.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق ببذل جهد حكومي في غير موضعه، أي في القطاع العام المتكدس بالعمالة الوطنية بنسبة تصل إلى 84 بالمئة، في حين يشكّل الكويتيون في القطاع الخاص 16 بالمئة من إجمالي قوة العمل الكويتية وأقل من 4 بالمئة من إجمالي العاملين في القطاع الخاص، وهي أرقام تعكس انحرافاً ضاغطاً على مصروفات الدولة وتركيبتها السكانية، فضلاً عن إضاعة جهود ومبادرات الفئات الاصغر سناً من الموظفين الكويتيين في وظائف حكومية محدودة العائد، بما يقلل من حجم الناتج المحلي الإجمالي وتنوعه.
وعليه، فإن جُلّ جهود الإدارة الحكومية العامة يجب أن ينصبّ على خلق الفرص الوظيفية للشباب الكويتيين في القطاع الخاص من الشركات الكبيرة، خصوصا فيما يُعرف بـ "بالوظائف واجبة التسجيل لدى الجهات الرقابية" إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بالتوازي مع توسيع نطاقات الفرص التجارية والاستثمارية في البلاد، كي يتمكن الاقتصاد من استيعاب المزيد من العمالة الوطنية والخدمات والعمل... فهنا التحدي والجهد الذي يستحق أن يُبذل، لا أن يخسر القطاع العام خبرات أجنبية ضرورية تحت شعار "التكويت 100 بالمئة".
ومن المهم ألّا تنجرف مؤسسات الدولة مع العناوين البراقة الخالية من المضمون أو التوجهات الشعبوية غير المدروسة، كالحديث غير الواقعي عن التكويت بنسبة 100 بالمئة، والأهم من ذلك أن تعرف أين تبذل جهدها بما يحقق مصالح فعلية ومستدامة، فليس من المصلحة أن نزيد تكدّس القطاع العام المتكدس أصلاً بعمالة هي ضحية وضع بيروقراطي متراكم، ونواصل تضييع فرصة خلق قطاع خاص حقيقي ومنتج ومنشئ للفرص والأعمال والخدمات.