في زمنٍ تراجعت به القدوات الحقيقية عن واجهة المشهد، لم يترك المجتمع مكانتها شاغرة، فقد اعتلتها وجوه جديدة، لا تُقاس بما تضيفه إلى العقول، بل بما تحققه من أرقام، ولا بما تبنيه من وعي، بل بما تحصده من متابعين، حتى غدت الشهرة، عند كثيرين، جوازَ العبور إلى التأثير، ولو خلت من العلم والخبرة والرسالة.
ولأن المجتمعات لا تعيش بلا رموزٍ تهتدي بها، فإن غياب القدوة لا يترك فراغاً، بل يسلّم موقعها لمن يملك الحضور، لا الاستحقاق. وهنا يبدأ الخلل، فالأبناء لا يتلقّون معنى النجاح من الكتب وحدها، بل من الوجوه المتكررة أمامهم، حتى تتشكل من خلالها معايير الطموح والمكانة والقيمة، ويُعاد تعريف ما يستحق الإعجاب والسعي والحلم.
كان لكل جيلٍ قدواتٌ يستمد منها معنى النجاح والطموح. كانت صورة البطولة تتجسد في صحابيٍّ يجسد أسمى معاني الإيمان والتضحية، وطبيبٍ يداوي، ومعلّمٍ يبني، وعالِمٍ يكتشف، وأديبٍ يوقظ العقول، كانت القيمة تسبق الظهور، والإنجاز يصنع المكانة، أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، فلم تعد الشهرة ثمرةً للإنجاز، بل غدت هي الإنجاز ذاته، حتى صار بلوغ الأضواء غايةً بصرف النظر عمّا يُقدَّم في سبيلها.
تتبدّل الأسماء بين «بلوجر» و«إنفلونسر» و«صانع محتوى»، لكن المسألة أعمق من المسمّى، فقد صنعت المنصات لبعض الوجوه نفوذاً يتجاوز حدود الترفيه، ويمتد إلى تشكيل الذائقة والقناعات وصورة النجاح، حتى غدا حضور المشهور في وعي بعض الأبناء أسبق من حضور المعلّم والمفكر والأسرة.
والأخطر أن الخلل لم يعد فيمن يتصدر المشهد، بل في المعيار الذي يرفعه إلى الصدارة، فعندما يصبح افتعال الجدل طريقاً مختصراً إلى الصدارة، والابتذال وسيلةً للانتشار، والتجاوز علامةً على الجرأة، يُعاد تشكيل معنى النجاح في وعي الجيل من جذوره. عندها لا تعود المشكلة في محتوى عابر، بل في منظومةٍ تُبدّل أسماء القيم نفسها، فتمنح التفاهة ثوب الإبداع، والانفلات اسم الحرية، وتدفع أبناءنا إلى مطاردة الضوء، لا بناء ما يستحق أن يُرى.
غير أن هذا التحول لا يُدان به الجيل وحده، بل بمنظومةٍ تراجعت عن صناعة القدوة، وسمحت للحضور أن يسبق الاستحقاق، وللانتشار أن يزاحم القيمة. فالأجيال لا تكفّ عن البحث عمّن تهتدي به، وحين يغيب صاحب الرسالة يتقدّم صاحب الظهور، وحين يختل ميزان المعنى، لا تتبدل الوجوه فقط، بل يُعاد تشكيل مفهوم النجاح نفسه.
لهذا، لا تُستعاد القدوة بمحاربة المشاهير، بل بإعادة الاعتبار لما يصنع الإنسان ويرفع المجتمع: العلم، والأخلاق، والعمل، والإبداع. فالأمم لا تنهض بمن يملؤون الشاشات، بل بمن يملؤون العقول، ولا تبني مستقبلها بمن يملكون الضوء، بل بمن يستحقون أن يكونوا في موضعه.
وحين نعيد تعريف البطولة في وعي أبنائنا، فلا تكون الشهرة غايتها، ولا عدد المتابعين ميزانها، تستعيد القدوة معناها.
فالقدوة الحقيقية ليست الوجه الأكثر حضوراً، بل الأثر الأكثر بقاءً، وليست من يعلّم أبناءنا كيف يبدون أمام الناس، بل من يلهمهم كيف يكونون حين لا يراهم أحد.
* إعلامية بحرينية