في خطاب ألقاه نائب الرئيس جي دي فانس الأسبوع الماضي في مسقط رأسه بولاية أوهايو، هاجم صحيفة وول ستريت جورنال، متهماً إياها بأنها «صوت الشركات الكبرى»، وأنها دعت، منذ عام 1984، إلى فتح الحدود الأميركية على مصاريعها. وكان يقصد، بطبيعة الحال، أن الصحيفة كانت تُريد استبدال العمال الأميركيين بعمال أجانب منخفضي الأجور.

لكن فانس، أو مساعديه الذين يلقنونه هذه الرواية، إما لا يعرفون تاريخ الصحيفة، أو لا يهتمون به. فمن أشهر افتتاحيات «الجورنال» واحدة تعود إلى عام 1979 بعنوان: «يسقط قطاع الأعمال الكبير»، وهو ما يجعل تصوير الصحيفة باعتبارها مجرَّد صوت للشركات الكبرى مثيراً للسخرية.

ما يلفتني أكثر في أسلوب فانس هو ميله إلى «تشويه مواقف خصومه قبل مهاجمتها»، وهو ما يذكرني بباراك أوباما. ففي خطابه الأول أمام الكونغرس عام 2009، أكد أوباما أنه يرفض الرأي القائل إن المشكلات ستحل من تلقاء نفسها، وإن الحكومة لا دور لها في بناء أساس الرخاء المشترك. وطوال سنوات رئاسته، كان أوباما يكرر رفض أفكار لم يكن أحد يتبناها فعلياً، ثم يبني عليها حجته.

Ad

وبعيداً عن الاختلافات الأيديولوجية، هناك أوجه شبه غريبة بين الرجلين. فكلاهما نشأ في ظروف أُسرية صعبة، مع أب غائب وأم غائبة أحياناً، لكنهما حظيا بأجداد موثوقين. وكلاهما انتقل، بفضل الذكاء والمثابرة، من بيئة أُسرية مضطربة إلى جامعات النخبة: أوباما إلى كولومبيا، ثم كلية هارفارد للقانون، وفانس إلى كلية الحقوق في ييل. ولم يمض أي منهما وقتاً طويلاً في ممارسة المحاماة، حيث اتجه أوباما إلى الأكاديميا، وفانس إلى رأس المال المغامر.

كلاهما كتب سيرة ذاتية مؤثرة عن الصعود من الفقر والظروف الصعبة، ثم أتبعها بكتابٍ سياسي مليء بالحجج المصطنعة. وكلاهما خدم فترة قصيرة في مجلس الشيوخ قبل أن يقفز إلى السُّلطة التنفيذية، وإن كان فانس لا يزال يحمل في منصبه كلمة «نائب».

كنت سأعتبر كل ذلك مجرَّد مصادفات مسلية، لولا ما حدث هذا الصيف. فقد بدا فانس مقتنعاً بأنه يستطيع، بقوة شخصيته، تحويل قادة النظام الإيراني إلى رجال عمليين مستعدين للتفاوض بحسن نية. وفي يونيو، أثناء السعي إلى مذكرة تفاهم لم تدم طويلاً، تحدَّث عن محاولات الإدارة جعل العلاقة الأميركية- الإيرانية أكثر عقلانية، كما لو أنه يكتشف نهجاً جديداً.

واللافت أن أوباما نفسه تبنَّى نهجاً مشابهاً في العقد الماضي، حين حاول تغيير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل وإدخال إيران في «مجتمع الدول المسالمة». وكان أوباما أيضاً يُحب تقديم نفسه باعتباره عملياً ومبنياً على المصالح، في مقابل أسلافه الذين تحركوا بدافع الأيديولوجيا.

لكن هناك فرقاً مهماً. فأوباما، باستثناءات قليلة، كان يوجه انتقاداته إلى الجمهوريين وحكوماتهم. أما فانس، فإن جوهر رسالته يقوم على «رفض أفكار ينسبها إلى الحزبين معاً، وخصوصاً حزبه الجمهوري».

في خطاب آخر هذا الأسبوع، كرَّر فانس حديثه عن «الإجماع» القديم الذي يقول، وفق روايته، إن المدن الأميركية كانت تحتاج إلى زيادة أرباح الشركات الكبرى، وفتح الحدود، وتفضيل العمال الأجانب على الأميركيين، فيما كان السياسيون يؤيدون نقل الوظائف إلى الخارج، أو توظيف المهاجرين غير الشرعيين.

دعونا نضع صحة هذه الحجج جانباً. فالمشكلة تكمن فيما تكشفه هذه العبارات عن شخصية رجل يحتقر الآراء المخالفة له إلى درجة أنه لا يكلف نفسه عناء فهمها.

وهنا يُصبح السؤال أكثر أهمية: كيف سيكون الحزب الجمهوري إذا أصبح فانس قائده الفعلي؟

ربما يكون أوباما شبيهاً بفانس في قدرته على بناء رجل دولة حول قصة شخصية صاعدة من ظروف صعبة، وفي ميله إلى تصوير نفسه باعتباره صاحب الحلول العملية في مواجهة خصوم أيديولوجيين. لكن هناك فارقاً حاسماً: «أوباما، على الأقل، كان يحترم الحزب الذي قاده».

أما فانس، فيبدو أحياناً كأنه لا يكتفي برفض خصومه، بل يرفض أيضاً كثيراً من الأفكار التي شكَّلت حزبه نفسه. وهذه سمة ينبغي للجمهوريين أن يتوقفوا عندها قبل أن يسلموا مستقبل حزبهم لرجل يبدو شديد الازدراء بالتقاليد السياسية التي يفترض أن يقودها.

* بارتون سوايم