بات ظاهراً للعيان أمام كل ذي بصيرة أن هناك أصابع خفية ومواقع مشبوهة ولجاناً مأجورة، ليس لها عمل سوى إشعال معارك موسمية بين أبناء التيارات الإسلامية والتحريض الفج على إزكاء الصراع الأيديولوجي بين هذه التيارات وإطلاق سهام الاتهامات الجاهزة والمشدود وترها دائماً لإيقاع الفتنة بين أبناء الأمة، والتي تصل إلى إخراج بعضهم البعض من دائرة الإسلام لدرجة أننا سمعنا أحد رموز هذه الفتن يصف أبطال المقاومة بأنهم زنادقة مارقون ومن صنيعة الموساد!
العجيب أن قطاعاً كبيراً من أبناء الأمة لم ينتبهوا لهذا العبث، ويقعوا فريسة سهلة لعمل هذه اللجان الخبيثة، وينخرطوا في صفوف المقاتلين بهذه المعارك التي لم تتوقف على مدار العام، والتي تبدأ من بداية العام الهجري، وهل الاحتفال بالهجرة حلال أم حرام، وسرعان ما تنتقل المعركة إلى مشروعية يوم عاشوراء وحكم صيامه، ثم حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف جائز أم ممنوع، ثم تنتقل إلى مشروعية الصيام في رجب وحكم الاحتفال بالإسراء والمعراج، ثم معركة هلال رمضان وأيهما أولى الأخذ برؤية الهلال بالعين المجردة أم بالحساب الفلكي، ثم الاحتفال بليلة السابع والعشرين من رمضان، وهل هي ليلة القدر أم لا، ثم معركة زكاة الفطر وأيهما الأصح في إخراج الزكاة، هل طعام من غالب قوت البلد أم نقود، ثم معركة كعك العيد وهل هو واجب أم مستحب، ثم تنتقل المعارك إلى معركة خروف العيد والأضاحي، حتى سمعنا من ينسب إلى العلم ويفتي بجواز الأضحية بديك من الدجاج.
وهكذا يستمر دولاب المعارك يعمل على مدار العام دون هوادة، وتسعى لجانها العاملة على قدم وساق إلى تفجيرات فكرية واصطناع المعارك هنا وهناك بمقاطع فيديو أو مقالات لآراء شاذة يتهم فيها كل فريق الآخر بالزندقة تارة أو التفسيق والتبديع تارة أخرى، ليسري سم دعاة جامعة تل أبيب الإسلامية عبر الفضائيات العربية وبرامج التوك شو.
وليس هناك مانع أن يكون ناشر السم ممن يدعون أنهم علماء، والدين من هؤلاء براء، ليفسح له المجال عبر الفضاء الواسع لتظل جذوة المعارك مشتعلة وتأكل في جسد الأمة، يا قوم أليس منكم رجل رشيد يقطع دابر هذه الفتنة بتعليم الناس أن الخلاف في كل هذه المعارك مستساغ، وهو اختلاف طبيعي ومقبول طالما لا توجد فيها نصوص قطعية حاسمة، وأن ترك الخلاف أوجب لوحدة الصف وجمع الشمل من الدخول في معارك يخرج الجميع منها خاسراً؟!