«ماما... أنا لا أسمعك!».
قد تبدو هذه الجملة عابرة عندما يقولها الطفل مرة أو مرتين، لكن عندما يبدأ في تكرارها، أو يرفع صوت التلفاز، أو يطلب من الآخرين إعادة كلامهم، أو يبدو شارداً في الحضانة أو المدرسة، فقد لا تكون المشكلة في الانتباه... بل في الأذن.
التهاب الأذن الوسطى من أكثر المشكلات الصحية شيوعاً في مرحلة الطفولة. وفي كثير من الحالات يكون مؤقتاً وبسيطاً، لكن المشكلة قد تصبح أكثر أهمية عندما تتكرر الالتهابات أو يستمر وجود السوائل خلف طبلة الأذن ويؤثر ذلك في السمع.
لماذا تصاب أذن الطفل بسهولة؟
خلف طبلة الأذن توجد مساحة صغيرة تُسمى الأذن الوسطى، تحتوي على عظيمات دقيقة تساعد على نقل الصوت إلى الأذن الداخلية.
وترتبط الأذن الوسطى بالأنف والحلق من خلال قناة صغيرة تُسمى قناة أوستاكيوس (Eustachian tube)، وهي تساعد على تهوية الأذن وتنظيم الضغط داخلها.
عند الأطفال تكون هذه القناة أقصر وأكثر أفقية من البالغين، ولذلك تكون الأذن أكثر عرضة لتجمع السوائل والالتهابات، خصوصاً بعد نزلات البرد والتهابات الجهاز التنفسي.
وقد يلعب تضخم اللحمية خلف الأنف (Adenoids) دوراً في بعض الأطفال، خصوصاً عندما يصاحبه انسداد الأنف مع الشخير أو مع صعوبة التنفس من الفم.
ليس كل ألم في الأذن متشابهاً
أحياناً يظهر التهاب الأذن الوسطى بشكل مفاجئ، غالباً بعد نزلة برد، مع ألم وارتفاع في درجة الحرارة، وقد يتجمع سائل خلف طبلة الأذن. وهذا هو التهاب الأذن الوسطى الحاد (Acute Otitis Media)، لكن هناك مشكلة أخرى قد تمر دون أن يلاحظها الأهل: تجمع السوائل خلف طبلة الأذن (Otitis Media with Effusion).
في هذه الحالة قد لا يكون هناك ألم أو حرارة، ومع ذلك قد يستمر السائل لفترة طويلة ويؤدي إلى ضعف في السمع اذا لم يتم تداركه. وهنا تكمن أهمية الانتباه، فالطفل قد لا يعرف أصلاً أنه لا يسمع الأصوات بوضوح.
كيف أعرف أن طفلي لا يسمع جيداً؟
بعض العلامات تكون واضحة، مثل ألم الأذن، ارتفاع الحرارة، البكاء ليلاً أو خروج إفرازات من الأذن.
لكن العلامات الأخرى قد تكون أكثر خفاءً:
* يطلب تكرار الكلام باستمرار.
* يرفع صوت التلفاز أو الأجهزة.
* لا يستجيب عند مناداته من بعيد.
* يبدو شارداً أو قليل الانتباه.
* يجد صعوبة في فهم الكلام، خصوصاً في الأماكن المزدحمة.
* يتأخر في اكتساب الكلام أو تكون مفرداته أقل من المتوقع لعمره.
وأحياناً تكون الحضانة أو المدرسة هي أول من يلاحظ المشكلة.
وهنا يجب أن نتذكر: ليس كل طفل يبدو قليل الانتباه هو طفل غير مهتم... أحياناً هو ببساطة لا يسمع جيداً.
السمع ليس مجرد سماع للأصوات، وفي السنوات الأولى من حياة الطفل يعتمد الدماغ على الأصوات التي يسمعها لتطوير اللغة والكلام والفهم.
وعندما يتجمع السائل خلف طبلة الأذن قد يحدث ضعف سمع توصيلي مؤقت. قد لا يكون الطفل فاقداً للسمع بشكل واضح، لكنه قد يسمع الأصوات وكأنها تأتي من خلف حاجز أو وسط ضوضاء.
وهذا قد يجعل الطفل يبذل جهداً أكبر لفهم المعلم أو زملائه في المدرسة، وقد يبدو أحياناً وكأنه غير منتبه أو غير متفاعل.
لذلك فإن فحص السمع عند وجود الشك أهم من افتراض أن المشكلة سلوكية أو مرتبطة بالانتباه.
متى يجب مراجعة الطبيب؟
يُنصح بمراجعة الطبيب عند وجود:
* ألم مستمر في الأذن.
* ارتفاع في الحرارة مع ألم الأذن.
* خروج إفرازات من الأذن.
* تغير ملحوظ في السمع.
* تأخر في الكلام.
* تكرار التهابات الأذن.
كما تستحق الحالة تقييماً أدق عندما يستمر وجود السوائل خلف طبلة الأذن، أو عندما يلاحظ الأهل أو المدرسة أن الطفل لا يسمع بشكل طبيعي.
وقد يشمل التقييم لدى طبيب الأنف والأذن والحنجرة وأخصائي السمعيات:
* Pure Tone Audiometry (PTA) لقياس مستوى السمع عندما يسمح عمر الطفل وقدرته بذلك.
* Tympanometry لمعرفة حركة طبلة الأذن وما إذا كان هناك سائل خلفها.
* Middle Ear Reflexes لتقييم بعض وظائف الأذن الوسطى.
وماذا عن العلاج؟
ليس كل التهاب في الأذن يحتاج إلى مضاد حيوي.
يعتمد العلاج على نوع المشكلة، وعمر الطفل، وشدة الأعراض، ونتيجة فحص الأذن، وفي بعض الحالات تكون المراقبة والمتابعة هي كل ما يحتاجه الطفل.
أما عندما يستمر وجود السوائل خلف طبلة الأذن أو تتكرر الالتهابات مع وجود ضعف في السمع، فقد يحتاج بعض الأطفال إلى أنابيب تهوية (Grommets).
وفي حالات معينة، خصوصاً عندما تكون اللحمية المتضخمة أحد أسباب المشكلة، قد يكون استئصال اللحمية (Adenoidectomy) جزءا من العلاج.
الأذن صغيرة، لكن دورها في حياة الطفل كبير جداً.
من خلالها يبدأ الطفل في تعلم الكلمات، وفهم من حوله، والتفاعل مع أسرته ومجتمعه. ولذلك لا ينبغي أن يكون اهتمامنا بالأذن مرتبطاً فقط بالألم أو ارتفاع الحرارة.
أحياناً تكون المشكلة التي لا تؤلم هي المشكلة التي تستحق أن ننتبه إليها أكثر.
إذا لاحظت أن طفلك يكرر السؤال، أو يرفع صوت التلفاز، أو لا يستجيب عند مناداته، أو تأخر في الكلام، فلا تفترض أنه مجرد عدم انتباه.
افحص السمع، فقد يكون وراء هذا السلوك صوت لا يصل إلى الطفل بوضوح. والاكتشاف المبكر والمتابعة المناسبة قد يصنعان فرقاً كبيراً في تحسين اللغة وسرعة التعلم.
* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة.
قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.