دخل الدَّين العام الأميركي مرحلة تاريخية جديدة، بعدما تجاوز للمرة الأولى حاجز 40 تريليون دولار، في محطة تعكس حجم التحديات المتزايدة التي تواجه المالية العامة بالولايات المتحدة، في وقت يستمر العجز المالي بالارتفاع، فيما تزداد تكلفة الاقتراض مع بقاء عوائد سندات الخزانة عند مستويات مرتفعة.

ووفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية، بلغ إجمالي الدَّين العام نحو 40 تريليون دولار بنهاية تعاملات الثلاثاء الماضي، مرتفعاً بنحو الثلث خلال أقل من خمس سنوات، بعدما تجاوز الدَّين حاجز 30 تريليون دولار في يناير 2022.

ورغم أن الرقم يبدو ضخماً، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في حجم الدَّين وحده، بل في السؤال الأهم: كم يكلف هذا الدَّين الحكومة الأميركية كل عام؟

Ad

أزمات متتالية راكمت الديون

لم يأتِ تضخم الدَّين الأميركي بين ليلةٍ وضحاها، بل كان نتيجة تراكم سياسات مالية امتدت لعقود، وتسارعت بصورة واضحة عقب الأزمات الاقتصادية الكبرى.

فخلال الأزمة المالية العالمية، ثم جائحة كورونا، لجأت الحكومة الأميركية إلى إنفاق واسع لدعم الاقتصاد والشركات والأسر الأميركية، في الوقت الذي تراجعت الإيرادات الضريبية، أو لم تعد قادرة على مواكبة حجم الإنفاق.

كما أسهمت السياسات المالية المتعاقبة في زيادة الدَّين، بما في ذلك التخفيضات الضريبية، وبرامج الإنفاق الحكومية، والإنفاق المرتبط بالحروب، إلى جانب التطورات الأخيرة المتعلقة بالسياسات الجمركية، والتي ترتب عليها أن ترد الحكومة الأميركية أكثر من 160 مليار دولار من الرسوم الجمركية للشركات.

وهكذا، أصبحت الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة: اقتصاد ضخم يحتاج إلى الإنفاق لدعم النمو، وحكومة تجد نفسها مضطرة للاقتراض بصورة متزايدة لتمويل هذا الإنفاق.

الفائدة... فاتورة تزداد ثقلاً

لكن القلق الأكبر اليوم لا يتعلق فقط بحجم الدَّين، وإنما بتكلفة تمويله.

فمع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، أصبحت الحكومة تدفع مبالغ أكبر لتمويل ديونها وإعادة تمويل السندات التي تستحق آجالها. ومع مرور الوقت، يتحوَّل ارتفاع أسعار الفائدة إلى عبء مباشر على الموازنة الفدرالية.

ومع تبقي نحو شهرين على نهاية السنة المالية، وصلت تكاليف الفائدة الحكومية خلال عام 2026 إلى نحو 1.17 تريليون دولار، بزيادة تقارب 15 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وبذلك أصبحت مدفوعات الفائدة ثالث أكبر بند في الموازنة الفدرالية، بعد برامج الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي. وهذا يعني ببساطة أن جزءاً متزايداً من أموال الحكومة يذهب لسداد تكلفة الاقتراض السابق، بدلاً من توجيهه إلى البنية التحتية أو التعليم أو الاستثمار أو برامج جديدة لدعم الاقتصاد.

عجز يقترب من تريليوني دولار

وتزداد الصورة تعقيداً مع استمرار الفجوة بين الإيرادات والمصروفات. وتشير التقديرات إلى أن العجز الفدرالي قد يصل هذا العام إلى نحو تريليوني دولار.

ووفق البيانات، بلغ العجز نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في يوليو، وهي نسبة مرتفعة بالنسبة إلى اقتصاد بحجم الاقتصاد الأميركي.

ولا تبدو عملية خفض العجز سهلة في السنوات المقبلة. فرفع الضرائب يواجه مقاومة سياسية، فيما تقليص برامج الإنفاق الرئيسة، خصوصاً الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والدفاع، يمثل تحدياً سياسياً واجتماعياً كبيراً.

تداعيات ارتفاع الدَّين العام لا تتوقف عند حدود الموازنة الفدرالية. فالولايات المتحدة هي أكبر اقتصاد في العالم، وسندات خزانتها تمثل أحد أهم الأصول المالية في النظام العالمي.

وعندما تحتاج الحكومة الأميركية إلى الاقتراض بكميات ضخمة، فإنها تدخل إلى الأسواق بصورةٍ مستمرة لبيع السندات. وإذا ارتفعت العوائد المطلوبة من المستثمرين، ترتفع معها تكلفة الاقتراض بالنسبة للحكومة. لكن تأثير ذلك قد يمتد أيضاً إلى المواطن الأميركي العادي. فعوائد سندات الخزانة تشكل أحد المراجع المهمة لتسعير عدد كبير من الأدوات المالية. وبالتالي، فإن استمرار ارتفاع العوائد يمكن أن ينعكس على تكلفة الرهن العقاري وقروض السيارات وبطاقات الائتمان وتمويل الشركات. وهنا تتحول مشكلة تبدو في ظاهرها مشكلة حكومية إلى مسألة تمس حياة الأُسر الأميركية والشركات والمستثمرين.

لا يزال الاقتصاد الأميركي يتمتع بمزايا استثنائية، من بينها حجم السوق، وقوة الدولار، وعُمق أسواق رأس المال، ومكانة سندات الخزانة كأحد أهم الأصول الآمنة عالمياً.

لكن هذه المزايا لا تعني أن الاقتراض يمكن أن يستمر بلا حدود. فكل دولار إضافي يذهب إلى خدمة الدَّين هو دولار لا يمكن استخدامه في مجالٍ آخر. ومع استمرار ارتفاع الدَّين وتكاليف الفائدة، يصبح هامش المناورة أمام صانعي السياسة أضيق، خصوصاً في حال تعرض الاقتصاد لركود أو أزمة مالية جديدة تتطلب حزمة إنفاق كبيرة.

وقد لا تكون لحظة تجاوز 40 تريليون دولار في حد ذاتها نقطة تحوُّل مفاجئة للأسواق، لكنها تحمل رسالة واضحة: الولايات المتحدة دخلت مرحلة أصبح فيها الدَّين مشكلة تكلفة مستمرة، وليس مجرَّد رقم ضخم في دفاتر وزارة الخزانة.

والتحدي الحقيقي أمام واشنطن لن يكون فقط في منع الدَّين من الوصول إلى 41 أو 45 تريليون دولار، بل في إيجاد صيغة سياسية واقتصادية تُعيد التوازن بين الإنفاق والإيرادات قبل أن تُصبح خدمة الدَّين نفسها أحد أكبر القيود على مستقبل الاقتصاد الأميركي.