رحل قبل أيام صاحب لوحة «جبل المحامل»، اللوحة الأشهر، أو لعلها الأشد حضورا في الذاكرة الفلسطينية، إذ غيّب الموت الفنان الفلسطيني سليمان منصور، حارس الهُوية والسردية الفلسطينية، وذلك بعد أكثر من خمسة عقود جسّد خلالها فلسطين ومعاناة شعبها بريشته التي كانت سلاحاً من أسلحة المقاومة، لأنها دافعت ونافحت عن الحق الفلسطيني في العودة إلى الديار تارة، وعن الهوية والتراث والذاكرة تارة أخرى.

في «جبل المحامل»، اختصر منصور حكاية الفلسطيني الذي خرج من أرضه قسرا، لكنه لم يخرج منها، حمل الرجل على ظهره القدس، وفي ملامحه ثقل الطريق ووجع المنفى، وكأن الوطن الذي عجز عن حمله في يديه، حمله في قلبه وذاكرته، وربما لهذا بقيت اللوحة حاضرة في الوجدان الفلسطيني طوال عقود، فهي تشبه قصة كل مَن اقتُلع من أرضه وظل متعلقا بها، وكل من عاش بعيدًا عنها لكنه لم يعتبر البعد نهاية الحكاية. ففلسطين ليست مكانًا يسكنه الفلسطيني فقط، بل وطن يسكن الفلسطيني أينما حلّ.

لكنّ إرث منصور لم يتوقف عند هذه اللوحة، فقد رسم الأرض والقدس والزيتون والقرى والثوب الفلسطيني، ووثّق في أعماله تفاصيل حياة شعب أراد الاحتلال أن يقتلع ذاكرته كما اقتلع أهله من أرضهم، وامتدت أعماله إلى خارج فلسطين، حاملة معها حكاية الأرض وأهلها، حتى أصبح اسمه جزءًا من الذاكرة البصرية الفلسطينية.

Ad

رحل الفنان سليمان منصور، لكنّ أعماله ستبقى شاهدة على فلسطين التي لم يتخلَّ عنها أهلها، إرثه الفني سيبقى حيًا، في لوحاته التي حفظت ملامح الأرض، وفي أعماله التي حملت تفاصيل الحياة الفلسطينية إلى العالم، وفي كل عين رأت في فنه شيئًا من الوطن.

ختاماً...

ترك الفنان منصور خلفه فنًا لم يكن منفصلًا عن قضية شعبه، بل كان جزءًا من معركته على الذاكرة والهوية والحق، ولهذا لن يكون غيابه غيابًا لفنه، فالفن الذي ارتبط بالأرض والإنسان والذاكرة لا يموت برحيل صاحبه، بل تواصل الأجيال حمله، كما حمل هو فلسطين بريشته طوال حياته، لتظل لوحاته حاضرة في وجدان شعب لم يتخلَّ يوماً عن أرضه ولا عن حقّه فيها.

* صحافية وكاتبة فلسطينية