تمتلك دول مجلس التعاون ما لا يتوافر لمعظم الاقتصادات: أكثر من أربعة تريليونات دولار تديرها 13 مؤسسة وصندوقاً سيادياً خليجياً، إلى جانب موارد ضخمة من النفط والغاز، وبنية تحتية متقدمة، وموقع يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا.
لكن القوة المالية لا تعادل بالضرورة القوة الاقتصادية. فالدولة قد تستطيع شراء الغذاء والدواء والآلة والتكنولوجيا، لكنها تبقى معرضة للخطر؛ إذا تعطلت الأسواق أو سلاسل الإمداد أو أصبحت المعرفة التي تحتاج إليها حكراً على الآخرين.
السؤال إذن ليس كم يملك الخليج، بل ماذا يستطيع أن ينتج، وما الذي يستطيع الاستمرار في إنتاجه وتشغيله عند الأزمات، وكيف يحول الثروة والطاقة والموقع إلى قدرة اقتصادية مستدامة؟
أولاً: الأمن القومي يبدأ من القدرة على الاستمرار
الاكتفاء الذاتي الكامل ليس هدفاً واقعياً ولا اقتصادياً. المطلوب هو الأمن بالبدائل: إنتاج محلي انتقائي للسلع والقدرات الحرجة، مخزونات استراتيجية، موردون متعددون، طرق إمداد بديلة، استثمارات خارجية تؤمّن المصادر، وقدرة محلية على التشغيل والصيانة وإعادة الإنتاج سريعاً عند الأزمات.
وتبدأ الأولويات بالمياه والغذاء والدواء والطاقة والاتصالات والبيانات والمكونات الصناعية الحرجة. ولكل قطاع يجب تحديد الموردين والمخزون والمسارات البديلة والمدة اللازمة لاستعادة التشغيل، ومقارنة تكلفة بناء البديل بالخسارة المحتملة عند التعطل.
فالمقياس الحقيقي للأمن هو قدرة الاقتصاد والمجتمع على الاستمرار عندما تتعطل الظروف الطبيعية للأسواق والتجارة.
ثانياً: من أمن التصدير إلى أمن الاستمرار... السعودية وشبكة الربط الخليجي
لا يكتمل الأمن القومي الاقتصادي بتأمين تصدير النفط والغاز وحده. ففي الأزمات، لا يقل خطر تعطل وصول الغذاء والدواء والمعدات وقطع الغيار والمواد الخام والمكونات الصناعية والتكنولوجية عن خطر تعطل الصادرات.
لذلك يجب النظر إلى الموانئ والطرق والسكك والأنابيب والمخازن باعتبارها شبكة أمن اقتصادي ثنائية الاتجاه: تصدّر الطاقة والمنتجات والصناعات الخليجية، وتضمن في المقابل استمرار تدفق احتياجات المنطقة.
وهنا تستطيع السعودية أن تشكل العمود الفقري لهذه الشبكة. فموقعها في قلب شبه الجزيرة، وامتدادها بين الخليج والبحر الأحمر، واتصالها البري بمعظم دول المجلس، إلى جانب حجم اقتصادها وقاعدتها الصناعية وشبكات الطرق والموانئ والمطارات وخطوط الأنابيب ومشروعات السكك الحديدية والربط الكهربائي، تجعلها العقدة الجغرافية واللوجستية الطبيعية للتكامل الخليجي.
ومن هذا المركز يمكن ربط الكويت وقطر والإمارات وموانئ الخليج شرقاً، بميناء الملك فهد الصناعي وميناء ينبع التجاري في ينبع، وميناء جدة الإسلامي على البحر الأحمر غرباً، وميناء جازان جنوباً، ثم ميناء الدقم وميناء صلالة في عُمان على بحر العرب والمحيط الهندي خارج هرمز، ومستقبلاً ميناء عدن في اليمن عند تحقق الاستقرار وبناء المؤسسات اللازمة.
وبذلك تعمل هذه الممرات في الاتجاهين: تصدير النفط والغاز والمنتجات والصناعات الخليجية، ونقل الغذاء والدواء والمواد الخام والمعدات والمكونات الصناعية من الموانئ البديلة إلى أسواق الخليج ومراكزه الصناعية.
لكن تعدد الموانئ لا يكفي. فالأمن الحقيقي يتطلب القدرة على تحويل التدفقات من بوابة إلى أخرى عند الضرورة:
موانئ متعددة، طرق وسكك وأنابيب متعددة، تخزين استراتيجي، مراكز توزيع وصناعة، موردون وأسواق متعددة.
والغاية ليست نقل الأصول أو القرار إلى دولة واحدة، بل بناء شبكة تستفيد من العمق الجغرافي السعودي، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها وقرارها الاقتصادي وقيادتها للقطاعات التي تمتلك فيها ميزة نسبية.
والمنطق نفسه يجب أن يحكم الصناعة. فلا تقتضي الكفاءة إنشاء ستة مصانع متشابهة إذا كان مصنع خليجي واحد أو اثنان قادرين على خدمة السوق بكلفة أقل وجودة وقدرة تنافسية أعلى، بينما تتوزع بقية سلسلة القيمة بين الدول، من الموردين والبحث والتطوير إلى التمويل والخدمات والمراكز اللوجستية.
بهذا النموذج تصبح السعودية مركز الثقل وشبكة الربط للمشروع الخليجي، لا بديلاً عن اقتصادات دول المجلس، وتتحول الحدود من نهايات لشبكات وطنية منفصلة إلى نقاط اتصال داخل منظومة أكثر تكاملاً ومرونة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام اليمن للاندماج التدريجي متى توافرت شروط الاستقرار والمؤسسات والتقارب الاقتصادي.
ثالثاً: الإنسان هو نقطة البداية
لا يمكن شراء الاقتصاد الصناعي المتقدم كما تُشترى الآلات. فالمصنع الذي يعتمد دائماً على الخارج في تشغيله وصيانته وتطويره لا يمثل استقلالاً صناعياً كاملاً.
لذلك يجب ربط التعليم الجامعي والفني والبعثات ومراكز الأبحاث مباشرة بخريطة القدرات التي يريد الخليج بناءها، والانتقال تدريجياً عبر سلسلة واضحة:
تشغيل، صيانة، هندسة، تصميم، بحث وتطوير، ملكية فكرية.
والنجاح لا يقاس بعدد الخريجين، بل بإنتاجية العامل، وعدد التقنيات التي تنتقل إلى الإنتاج، وحجم الصادرات الصناعية والتكنولوجية، وقدرة الشركات الخليجية على المنافسة بالجودة والسعر.
رابعاً: من استيراد التكنولوجيا إلى امتلاك القدرة الصناعية
لا يحتاج الخليج إلى تصنيع كل شيء. الأفضل اختيار 5–7 قدرات صناعية وتكنولوجية استراتيجية وفق أربعة اختبارات: حجم الضرر إذا انقطعت، توافر البدائل، الميزة الخليجية، وإمكانية امتلاك التكنولوجيا والمنافسة عالمياً.
وتشمل الأولويات المياه والطاقة والدواء والتقنيات الرقمية والأمن السيبراني والمكونات الحرجة والمواد المتقدمة. وحتى في أشباه الموصلات، ليس ضرورياً البدء بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً؛ يمكن الدخول عبر الغازات والكيماويات فائقة النقاء، وإلكترونيات الطاقة، والتصميم، والتغليف والاختبار.
الهدف ليس عدد المصانع، بل صناعة تحقق جودة عالمية وإنتاجية تنافسية، وتنتقل من التصنيع بترخيص الآخرين إلى تطوير التكنولوجيا والملكية الفكرية والتصدير.
خامساً: من القوة المالية إلى تحالف صناعي وتكنولوجي عالمي
يمكن للخليج بناء منصة استثمار صناعي وتكنولوجي تصل تدريجياً إلى نحو 1.4 تريليون دولار، تجمع قرابة 700 مليار دولار من رؤوس الأموال الخليجية ومثلها من رؤوس الأموال والشركاء الدوليين. وليس المقصود إنفاق هذا المبلغ من الحكومات، بل استخدام رأس المال السيادي لاستقطاب رأس المال العالمي المصحوب بالتكنولوجيا والمعرفة والخبرة الصناعية والأسواق.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الأثر متوسط الأجل للاستثمار الأجنبي الداخل على الناتج الحقيقي غير النفطي في دول المجلس بلغ نحو ثلاثة أضعاف الأثر المرتبط بالاستثمار المحلي.
وتبرز آسيا شريكاً طبيعياً. فقد استوردت الصين نحو 11.1 مليون برميل يومياً من الخام في 2024، جاء نحو 54% منها من الشرق الأوسط، فيما مثّلت السعودية قرابة 14% من وارداتها. وبلغت التجارة السلعية الصينية نحو 107.5 مليارات دولار مع السعودية و101.8 مليار دولار مع الإمارات.
المطلوب تحويل هذه الروابط من تجارة وتدفقات نفطية إلى شراكات إنتاج واستثمار تمتد 20 أو 30 عاماً مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها، في الطاقة والبتروكيماويات والصناعة والتكنولوجيا والموانئ واللوجستيات والبحث والتطوير. وتقدم سنغافورة نموذجاً لقيمة تحويل الموقع إلى قدرة اقتصادية؛ إذ تعامل ميناؤها مع نحو 41.1 مليون حاوية نمطية في 2024، كان قرابة 90% منها لإعادة الشحن.
والهدف ألا يبقى الخليج مجرد مصدر للطاقة أو ممراً للتجارة، بل يصبح قاعدة للإنتاج والتخزين والمعالجة والتصنيع والتمويل وإعادة التصدير. فكلما ارتبطت القوى الاقتصادية العالمية بمصانع وموانئ وطاقة وتخزين ونقل وتكنولوجيا داخل شبه الجزيرة العربية، أصبح استقرار المنطقة واستمرار تدفقاتها مصلحة اقتصادية مشتركة طويلة الأجل.
وتكون الصين شريكاً رئيسياً، لا الشريك الوحيد. فالقوة ليست في استبدال اعتماد بآخر، بل في بناء شبكة متوازنة مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا.
ويمكن كذلك استخدام جزء من القوة الشرائية للإنفاق الدفاعي الخليجي، الذي تشير تقديرات مختلفة إلى أنه يدور حول 150 مليار دولار سنوياً، أو قرابة 1.5 تريليون دولار خلال عشر سنوات إذا استمرت المستويات الحالية، رافعةً لبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية محلية، عبر توطين الصيانة وقطع الغيار والإلكترونيات والبرمجيات والطائرات المسيّرة والاتصالات والمواد المتقدمة والتطوير الهندسي.
والهدف ليس تصنيع كل منظومة عسكرية، بل استخدام العقود والمشتريات ونقل التكنولوجيا والمحتوى المحلي لامتلاك القدرات التي تمنع توقف الأنظمة الحيوية في الأزمات، وتبني في الوقت نفسه صناعات وتقنيات مزدوجة الاستخدام تخدم الاقتصاد المدني.
وتخضع هذه الاستثمارات لحوكمة مستقلة وتمويل مرحلي مرتبط بالإنجاز، ويقاس نجاحها بالعائد على رأس المال المستثمر ROIC، والإنتاجية، والصادرات، ونقل التكنولوجيا، وقدرتها على جذب رأس المال الخاص. ما ينجح يتوسع، وما يتعثر يعاد هيكلته أو يباع أو يوقف.
رأسمال خليجي + رأسمال عالمي + تكنولوجيا + معرفة + أسواق طويلة الأجل = قدرة إنتاجية + مصالح مشتركة.
بهذه المعادلة تتحول القوة المالية والشراكات الدولية والقوة الشرائية للإنفاق الأمني إلى منظومة واحدة تبني قدرة صناعية وتكنولوجية خليجية، وتربط مصالح العالم باستقرار المنطقة ونجاحها، من دون الارتهان لطرف أو سوق أو تكنولوجيا واحدة.
سادساً: التنفيذ والقياس
لا يحتاج الخليج إلى مزيد من الخطط بقدر ما يحتاج إلى برنامج تنفيذ بمراحل واضحة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات تقيس القدرة الفعلية لا حجم الإنفاق.
يمكن تنفيذ التحول على ثلاث مراحل: 0–2 سنة لرسم خرائط المخاطر والقدرات والفجوات، وتحديد الأولويات وإطلاق منصة الاستثمار؛ 3–7 سنوات لبناء المشاريع الاستراتيجية وسلاسل الموردين ونقل المعرفة والتكنولوجيا؛ و8–15 سنة للوصول إلى إنتاجية عالمية، وصادرات صناعية وتكنولوجية متقدمة، وملكية فكرية، وشركات خليجية قادرة على التوسع والمنافسة عالمياً.
ولا ينبغي قياس النجاح بعدد المصانع أو حجم الأموال المستثمرة، بل بالنتائج: استمرارية القطاعات الحيوية وقت الأزمات، وتنوع مصادر الإمداد، ونسبة المحتوى والتقنية المحلية، وإنتاجية العامل، وحجم الصادرات الصناعية والتكنولوجية، وبراءات الاختراع والملكية الفكرية، وحجم رأس المال الخاص الذي يجذبه كل دولار عام، والعائد على رأس المال المستثمر.
من الثروة إلى القدرة
السؤال الحقيقي ليس كم ستبلغ قيمة الأربعة تريليونات دولار في 2050 إذا بقي الخليج مستورداً للتكنولوجيا والصناعة، بل ماذا ستكون قيمة الخليج نفسه إذا استُخدم جزء من هذه الثروة لبناء الأمن، والإنسان، والبحث والتطوير، والملكية الفكرية، والصناعة، والقدرة على المنافسة؟
الغاية ليست الانغلاق أو الاكتفاء الذاتي الكامل، بل بناء اقتصاد لا يعتمد على مسار واحد أو مورد واحد أو شريك واحد؛ اقتصاد يملك البدائل، ويستطيع الاستمرار في الأزمات والمنافسة في الظروف الطبيعية.
الهدف هو منظومة متكاملة: ثروة تحمي الأجيال، وأمن يحمي البقاء، وإنسان يصنع المعرفة، وصناعة تنافس العالم، وشبكة تحفظ تدفق احتياجات المنطقة وصادراتها، وشركاء عالميون لهم مصلحة في نجاحها، وقدرة تمنح الخليج حرية القرار والنمو والتطور.
*باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية