نعيش اليوم في زمن أصبح فيه المظهر أكثر جذباً من الجوهر، حيث بدأت بعض القيم الإنسانية تتراجع أمام سطوة الاستهلاك والمباهاة بالمقتنيات. وبين هاتف جديد، وسيارة فارهة، وحقيبة باهظة الثمن، ورحلة فاخرة، قد يتحول الإنسان من كائن تقاس قيمته بأخلاقه وأثره إلى واجهة تُقاس بما يملك.

يؤلمني عندما أرى أن الأمور السطحية أصبحت أكثر نفوذا وجذبا، بينما تتراجع المعرفة والأخلاق والمسؤولية خطوات إلى الوراء. وهنا تطفو «نظرية التفاهة» إلى السطح. والمقصود بالتفاهة هنا ليس الاهتمام بالأمور البسيطة فحسب، بل تحوّلها إلى معايير للقيمة والمكانة والنجاح.

ونحن في هذا الصدد لا نتطرق إلى الجانب المادي لكونه مشكلة، فأن يعيش الفرد حياة مريحة ويقتني ما يحب، هذا حق مشروع؛ إنما تبدأ الإشكالية حين تتحول الممتلكات من وسائل تخدم الإنسان إلى أدوات تمنحه شعوراً بالتفوق على الآخرين.

Ad

ومما لا شك فيه أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي فتحت لكل فرد نافذة يعرض من خلالها تفاصيل حياته وممتلكاته، إلا أنه خلف الشاشة قد يكون هناك أب يحسب ما تبقى من راتبه لتأمين مستلزمات أسرته، أو شاب يبحث عن فرصة عمل، أو أسرة تتعامل بصمت مع ظرف مادي قاسٍ، أو ابنة يقبع في خاطر أمنياتها شيء ثمين.

لنطرح سؤالاً إنسانياً قبل أن يكون اجتماعياً: هل الحرية في عرض ممتلكاتنا تعني أن نتجاهل أثر ما نعرضه في نفوس الآخرين؟ بالطبع ليس المطلوب أن يخفي الإنسان نعم الله تعالى عليه، ولا أن يشعر بالذنب لأنه ناجح أو ميسور الحال، ولكن من الجميل أن ترافق الحرية حساسية إنسانية تجعلنا أكثر وعياً بمن حولنا؛ فالفرق كبير بين مشاركة لحظة جميلة تحتوي ممتلكات باهظة وبين صناعة محتوى يقوم أساسا على إظهار التفوق المادي.

إن الفلسفة التي تقوم عليها حقوق الإنسان تنطلق من حقيقة جوهرية مفادها أن قيمة الإنسان لا تعتمد على ثروته أو طبقته الاجتماعية أو مظهره، وإنما هي قيمة أصيلة يمتلكها بمجرد كونه إنساناً؛ فالكرامة لا تُشترى، والمساواة لا تقاس بقيمة ما نملك.

فالنجاح ليس استعراضاً بما نملك من ماديات، ويجب علينا الوعي بأن من أخطر آثار تضخُّم المادية أن تتغير صورة النجاح في أذهان الأجيال الجديدة. ومع الوقت قد لا يصبح الهدف أن يكون الإنسان عالماً أو مبدعاً أو نافعاً لمجتمعه، بل أن يبدو ناجحاً ومشهوراً أمام الناس؛ فقط بما يملك.

بالإضافة إلى أن عالم الاستعراض يصنع بيئة خصبة للمقارنة، وهذه المقارنة قد تحوّل الامتنان إلى الشعور بالنقص، والطموح إلى إحباط. ولهذا فإن المجتمعات التي تريد الحفاظ على إنسانيتها تحتاج إلى إعادة الاعتبار لبعض القيم: كالتواضع، والرحمة، والحياء الاجتماعي، والتعاطف، والإحساس بالغير.

إن المجتمعات لا تصبح أكثر إنسانية عندما يزداد فيها عدد الممتلكات، وإنما عندما يزداد فيها الإحساس بالآخرين.

حقوق الإنسان لا تبدأ فقط من الدساتير والاتفاقيات والمحاكم، بل تبدأ أحياناً من أبسط التفاصيل؛ من طريقة حديثنا، ومن احترامنا، ومن قدرتنا على رؤية الإنسان قبل ثيابه، وروحه قبل مقتنياته. فليكن ما نتباهى به هو أخلاقنا، وما نتنافس عليه هو أثرنا، وما نتركه خلفنا ذكريات حول كيف جعلنا الآخرين يشعرون بكرامتهم.

* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية