فاجأت تركيا العالم العربي المعاصر بصورتها الاقتصادية والسياسية الحديثة،  

وبظهورها المفاجئ نسبياً بعد عزلة طويلة وصمت عربي - تركي ممتد، انصرف خلاله الأتراك والعرب إلى انقلاباتهم المتواصلة بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد التهاء العالم العربي كذلك منذ سنة 1979 بإيران والعراق، وسورية، وفلسطين، وغيرها. 

وبعكس إيران، نجحت تركيا في علاقتها بالعالم العربي التي مهدت لها بسيل من الأعمال الدرامية التلفزيونية والمسلسلات الناجحة المشوقة والمدبلجة بكل مهارة. وفيما كانت عزلة مصر السياسية تتزايد وبريقها الإعلامي يخفت، برزت تركيا التي لاقت التشجيع من كل صوب. من الباحثين عن «دولة إسلامية سنيّة كبرى» تسد أو تحد الطريق أمام إيران في المنطقة، وكذلك المؤيدين للعلمانية أو «الدولة الإسلامية المعتدلة». 

Ad

وكذلك لأن تركيا الدولة الإسلامية الوحيدة في حلف ناتو، بل الدولة التي حاولت كل جهدها لأن تلتحق بالاتحاد الأوروبي كذلك. 

وتعد العلاقات العربية - التركية حديثة، مقارنة بالعلاقة العربية مع إيران أو بلاد فارس، التي بدأت منذ ما قبل الإسلام، بينما نشأت العلاقات العربية -التركية مع أواسط أو أواخر العهد العباسي، وتقول بعض المراجع عن ظهور الأتراك في الحياة العربية: «في هذا العصر الذي نؤرخه، ظهر في المملكة الإسلامية عنصر كبير بجانب العنصرين العظيمين (الفرس والعرب)، وهو عنصر الأتراك، وكان له أثر كبير في تاريخ الأمة الإسلامية وحياتها السياسية والاجتماعية. ذلك أن المعتصم الذي تولى الخلافة سنة 218هـ (833 م) استقدم سنة 220 هـ (835 م) قوماً من بخارى وسمرقند وفرغانة وأشروسنة، وغيرها من البلاد التي نسميها تركستان وما وراء النهر، اشتراهم وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق (أحزمة) الذهب، وأمعن في شرائهم حتى بلغت عِدَّتهم ثمانية آلاف مملوك، وقيل ثمانية عشر ألفاً، وهو الأشهر» (ظُهر الإسلام، 1999، ج 1، ص 3، أحمد أمين). وكان من بين الأسباب الرئيسية لمجيء الأتراك آنذاك، وربما هي الحال اليوم، أسباب عسكرية وعدم ثقة الجانب العربي بإمكاناته. 

أما المؤرخ أمين فيقول: «وسبب اتجاه المعتصم إلى الأتراك يرجع إلى أمور:

أن أهم عنصر في الجند كانوا إلى عهد المعتصم هم الخراسانيون، وهم فُرس من خراسان، وكانوا عماد الدولة العباسية نحو قرن، من عهد إنشاء الدولة إلى المعتصم، كما كانوا حرس الخلفاء، وكان بجانب الجنود من الفرس جنود من العرب، من مضر واليمن وربيعة، ولكن هؤلاء العرب كانوا أقل شأناً وأقل حظوة، وأقل عدداً من الفرس... (كما) ضعفت ثقة الخلفاء بالعرب على ممر الأيام، إذ رأوهم لا يتحمسون للقتال لهم - أي للدفاع عن الدولة أو النظام - تحمس الفرس» (المرجع نفسه، ص 3). 

كما كان للعصبية التركية دور، يضيف المؤرخ، «وهو أن أم المعتصم أصلاً من هذه الأصقاع التركية». وكان في طباع المعتصم نفسه «الكثير من طباع هؤلاء الأتراك، من القوة والشجاعة والاعتداد بقوة الجسم». ولهذا فتح المعتصم للقادمين من تركستان المجال واستكثر منهم، «حتى ملأوا بغداد وضايقوا أهلها». 

كان الأتراك آنذاك حديثي عهد بالإسلام، وكانوا قد نُقلوا إلى بيئة عربية بعيداً عن موطنهم في تركستان. وكان عدد الأتراك المجلوبين إلى بغداد كبيراً في نظر بقية السكان من عرب وفرس وغيرهم. وكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعض الأتراك، فقتلوه عند صدمه لامرأة أو شيخ كبير أو صبي أو ضرير، وظهرت فكرة سامراء كمقر للجند الأتراك.

يقول المؤرخ متحدثاً عن جوانب اجتماعية وثقافية فيقول عنهم:

«كان هؤلاء الأتراك مسلمين أسلموا على أثر فتح المسلمين لبلادهم في العصر الأموي، ومنهم مجوس وثنيون أخذوا يسلمون عند استقدام المعتصم لهم، وكانوا يتكلمون التركية فأخذوا يتعلمون العربية، وقد عرفوا بالشجاعة والصبر على القتال، كما عرفوا بخشونة البداوة وقسوة الطبيعة، وحافظ المعتصم على دمائهم أن تبقى متميزة فجلب لهم نساء من جنسهم زوّجهن لهم، ومنعهم أن يتزوجوا من غيرهم» (المرجع نفسه، ص 5). 

وهكذا، مكّن الخليفة المعتصم للأتراك في الأرض. ويضيف المؤرخ أمين أن الأتراك كانوا في أول أمرهم قوة للدولة، وبسببهم - على الأكثر - يرجع انتصارهم على الروم في وقعة عمورية سنة 223 هـ -837 م، فكانت القيادة العليا في يد الأتراك وعلى رأسهم أشناس. وهو القائد التركي الذي خلف الأفشين في الجيش العباسي، وعهد إليه المعتصم ببناء سامراء، واشترك في 

معركة عمورية... كما سنرى!