لا ريب في مضي مجلس الوزراء الموقر في خطوات من شأنها تعزيز الامتثال لقواعد حوكمة عدة في هذه المرحلة، لا سيما تلك المعنية بإعادة صياغة هيكل الاقتصاد الكلي لغايات عدة، أهمها تحقيق استدامة المالية العامة. تضمنت الخطوات أيضاً تلك المعنية بمجموعة العمل المالي «FATF» لضمان معالجة بعض النواقص الاستراتيجية في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. خطوات نسأل المولى عز وجل أن يبارك فيها، وأن ينعكس أثرها إيجاباً عاجلاً غير آجل.
غير أن هذه الخطوات، في سبيل اكتمال أثرها، تصطدم بواقع قطاع خاص نشأ وتمكّن على مدى بضعة عقود في اقتصاد قام، وبشكل غير صحي، على ريع حكومي أسهم، بصورة أساسية، في توسع تلك الأنشطة التجارية القائمة على عاملي الإنفاق الحكومي والاستهلاك، وحسب، في معادلة إجمالي الناتج المحلي. وفي المقابل، فإن الأنشطة القائمة على عاملي الاستثمار وناتج الصادرات لم تجد في البيئة الاقتصادية جدوى كافية لتوسيع قدراتها. هنا، ولا سيما حين ينكمش الإنفاق أو تُغلق أبواب التنفيع جراء خطوات الامتثال، فلا ينبغي أن تدهشنا هشاشة القطاع الخاص، إذ هي نتيجة منطقيّة لطبيعة نشأته.
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب في هذه المواجهة، خاصة حين تُنفَّذ متطلبات الامتثال بحزم صارم، وفي الوقت ذاته تتأخر صياغة الواقع الجديد المعني بفتح أبواب الاقتصاد بحلّته الجديدة بغية تحقيق استدامة المالية العامة. ولأن الاقتصاد لا يعرف الفراغ، فالانكماش، ثم الركود، وبالتالي انعكاس آثارهما على المستويين الإنساني والاجتماعي، وما ينتج عن ذلك من تضاؤل الثقة في القطاع، يُعَد نتيجة مرجحة لذلك. وما يجب الإشارة إليه هنا أن كلفة إعادة الثقة بغية الخروج من ذلك الركود ومقاومة انعكاساته وتحدياته، للمضي إلى قطاع خاص مستدام، قد تصبح أعلى بمراحل من كلفة التحول إليه قبل الوقوع في ذلك المستنقع.
فلعل أحكم معايير التحول تتمثل في أن تكون الصرامة مع القديم مقرونة بسخاء مؤسسي مع الجديد، لا بحلة دعوم عشوائية، ولا امتيازات متناثرة، بل من خلال برامج اقتصادية تبدأ، أولا، بتبني رؤية واعدة. ثم بوضع الأهداف التي من خلالها، ومن خلال تكاملها، تتحقق قيمة تلك الرؤية. وأخيراً برسم المسارات الاستراتيجية المجدية، بخيوطها الزمنية الواضحة، وآلياتها النافذة. مسارات يُعنى كل منها باستخدام موارد الدولة، بمؤسساتها وقدراتها، في تكامل سريع ونهج محكم، لتحقيق كل هدف على حدة، لتصب جميعها في تحقيق تلك الرؤية، إن شاء الله.
ويأتي في مقدمة متطلبات جدوى هذه الخطوات أن تُعلَن الرؤية إعلاناً ملزِماً للقيادات الحكومية القائمة على تنفيذها، وواضحاً للأطراف المتعاملة معها، وفي مقدمتها المستثمر الذي سيقوم عليه القطاع الخاص الجديد. فالإعلان هنا بمنزلة الكلمة، والكلمة هي أولى متطلبات ثقة رؤوس الأموال، محلية كانت أو أجنبية. ولسنا هنا نتحدث عن رؤوس الأموال المرتكزة في القطاعات القائمة حالياً فحسب، وإنما عن تلك المتناثرة في المجتمع والخارج، الباحثة عن فرصة مقترنة بالكلمة! رؤوس أموال متناثرة، سيكون لاجتماعها ذلك الدور الجليّ في بناء قطاع خاص جديد بحلته، متمرس بكفاءته، ومتنوع بإنتاجيته، قطاع قائم على الاستثمار والإنتاج القابل للتصدير، يقل ارتهانه للإنفاق الحكومي والطلب الاستهلاكي المتولد عنه.
فاللهم أبرِم لهذه الأمة أمرَ رشد.