ربما لم يحدث في زمن سابق أن أصبح الاستهلاك بهذا القدر مرادفاً للوجود. لم تعُد المسألة: ماذا أحتاج؟ بل ماذا أملك؟ والأهم: هل رأى الآخرون ما أملك؟
كأن مقولة ديكارت الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود» قد تحولت في زمننا هذا الى «أنا أملك إذن أنا موجود»، أو ربما «أنا أملك أو أستعرض ما أملك، إذن أنا مرئي وحاضر وفي الإطار أو الصورة العامة ولستُ على هوامشها أو حوافها أو حتى خارج الصورة كما هي حال كثيرين، بل ملايين من شعوبنا العربية اليوم».
فالكمّ الأكبر هو خارج الصورة. ربما هو البحر الذي فضحهم أو فضحنا، أو هو الصيف الذي كشف أن هناك ساحلاً شريراً وآخر طيباً في كل مدينة وبلد عربي، ويطاردهم حتى في رحلاتهم الصيفية الفاخرة! من الساحل الشمالي إلى فقرا ومهرجاناتها وحياة كفر ذبيان، وصولاً إلى شواطئ الريفييرا الفرنسية أو ماربيا الإسبانية، أو الشواطئ الإيطالية، يبرز العربي والعربية كمستهلكين أو استعراضيين أكثر من أي أمر آخر.
يعرفهم ويراهم ويتابعهم الملايين لشدة المظاهر والبذخ والرفاهية والتباهي والاستهلاك أيضاً.
بالطبع، ليس كل من في الساحل أو فقرا، ولا كل أهل الخليج في فرنسا وإسبانيا وغيرها، هناك من أجل المظاهر والاستهلاك. هم هاربون من قيظ المدن، مدنهم، سواء كانت القاهرة، أو بيروت، أو الكويت، أو المنامة، أو الرياض، أو الدوحة أو دبي أو غيرها.
كلهم هاربون من صيف حارّ ورطب، وهذا حقهم، كما يفعل الأوروبيون في الصيف، حتى إن المدن والعواصم تُهجر في شهر أغسطس، أو كما يسمّيه أهل بلاد الشام «آب اللهاب».
يبقى السؤال لمن عاشوا الساحل وجبال لبنان وشواطئ أوروبا الساحرة: ما الذي حدث لبساطة الصيف وبراءته وضحكته؟ وكيف تحوّل إلى مظهر آخر من أنماط الاستهلاك والاستعراضات اليومية التي تبدأ من اليخوت والقصور والفلل الفاخرة، وصولاً إلى الملابس والمجوهرات؟ نعم، هناك مجوهرات للبحر أيضاً!
هكذا تتحول التجارب الإنسانية إلى جزء من نظام عالمي استولى على المال والعمل والزمن، وحتى العلاقات الإنسانية، في أماكن وعلاقات تبدو شخصية وعائلية، وفجأة تصبح، بفعل تراكم ثقافة تنهش الإنسانية بكل تفاصيلها، جزءاً من الاستعراض.
وحين يردّ عليك أبناؤك أو من هم أصغر منك سناً، أي جيل الاستهلاك وثقافته، إن كان في ذلك ما يستحق أن يسمّى ثقافة، بصوت مليء بالثقة: «هذه حياتي، وهكذا أريد أن أعيشها، وهذا حقي، فأنا حر»، تنفتح فجأة صناديق الذاكرة المنسية لتلك الرواية التي أدمنها الكثيرون، خاصة من الفتيات حينها، وهي «أنا حُرّة» للأديب إحسان عبدالقدوس، وقد تبنتها كثير من النساء المتمردات في مرحلة صرامة العادات والتقاليد، ولكنها تطرح الحرية على أنها مسؤولية وليست تمرداً على العائلة والعادات فقط.
ويبدو أن جيل الإنترنت، الذي لم يقرأ بالطبع هذه الرواية، وربما لا غيرها من ذلك الأدب العريق، فهِمَ الحرية بشكل معكوس، فتحول إلى عبد لوسائل التواصل والصور والأنماط، بدلاً من التقاليد والعادات ربما، فيما يتصور أنه بذلك أصبح حراً طليقاً!
فهل تغيّر مفهوم الحرية... أم تغيّر فقط شكل العبودية؟
* يُنشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية