«هَلْ يَنْهَضُ البازِي بِغَيْرِ جَنَاحٍ؟» البازي أو الباز هو أحد أنواع الصقور الحرة الجارحة، الذي لا يستطيع الطيران، ولا حتى النهوض من مكانه من دون جناحيه، مهما حاول ومهما فعل.
ومَثلُنا هذا يُضرب في وصف العاجز عن فعل أي شيء من دون سند، فالباز سنده جناحاه، أما الإنسان فسنده وعزوته وقت الشدة هما قومه، ومن دونهم يكون بلا منعة ولا قوة.
وراء مثلنا هذا قصة، فقد وقعت خصومةٌ بين أبناء عمومة، وكادت تتحول إلى قتالٍ وسفك دماء وتفكّك، فقام شاعر منهم يدعوهم إلى التمسك بوحدتهم وتماسكهم، مُذكّراً إياهم بأنهم إخوة في الدم، وتناحرهم سَيُطمع الأعداء بهم، ويجعلهم لقمة سائغة لهم، ثم أنشدهم قائلاً:
أَخَاكَ أَخَاكَ إنَّ مَنْ لاَ أَخَا لَهُ كَسَاعٍ إلَى الهَيجَا بغَيرِ سِلاَحِ
وَإِنَّ ابْنَ عَمِّ المرءِ فَاعْلَمْ جَنَاحُهُ وَهَل يَنْهَضُ البَازِي بِغَيرِ جَنَاحِ؟
ويقول الله سبحانه وتعالى: «قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا»، في إشارة إلى أن الأخ هو القوة والعَضُد الذي يشدّ به أزره وقت الشدائد.
والرسول، ﷺ، قال وهو شابك بين أصابعه: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ».
وصدق حين قال عن أمتنا: يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فقال قائلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فقال قائلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ.
«فالمَرْءُ كَثِيرٌ بِأَخِيهِ»، و«إنَّ الذئْبَ يأْكُلُ مِنَ الغَنَمِ القاصِيَةَ»، و«إِنَّ القَناةَ تُقَرَّنُ بِالقَناةِ فَتَمْتَنِعَانِ»، أي إذا جمعت رماح الخيزران صارت أقوى وأصلب، عصيّةً على الكسر.
أما الشاعر عامر هادي فصرخ في أمّته، من الألم، قائلاً:
يـا أمّـة الـعُـرْب إنّ الـجُـرح قـد نـزفا ومــا بــه مــــن دَمٍ يــا أمّـتـي نـشـفـا
وفي مدى الرّوح منّي صرخةٌ برقتْ هـــذا رحـيـلـكم ُ قــد حــلَّ أو أزِفــا
قــد صـرتـم ُ ذَنَـبَـاً لا رأس عـندكمُ بــلْ أنّـكـمْ بـعتمُ الأوطـان والـشرفا
لِــمَ اخْـتلافكمُ والأرضُ قـد سُـرقتْ والـعـرضُ مـنـتهكٌ والـمـال قـد تُـلفا؟
أمـــا نُـــذلّ وأهـــل الأرض تـبـصرنا وجُـــلّ غـضـبـتنا أن نـطـلقَ الأسـفـا؟
أمــا نـنـوح عـلـى مـجـدٍ بــلا عـمـلٍ وصـــار ديـدنـنـا فـخـراً بـمـن سـلـفا؟
فاللهو غـايـتـنـا والــقَـصْـفُ مـرتـعـنا وذا طـريق الـذي قـد هـان واخْـتلفا
عُـذراً مـن الـقول إنْ طـالت مـخالبه فــــإنَّ حـالـكـمُ قـــد زادنـــي دَنَــفـا
مــتـى أرى أمّــتـي والأمــرُ مـجـتمعٌ يــــرفُّ بـيـرقـهـا عـــزّاً وقـــد أنــفـا؟
هكذا صارت أمة العُرْبِ بعد أن ساد بينها التناحر والبغضاء وتفرّقت أيديها ففقدت جناحيها، وتكالبت عليها الأمم، وشِرار الأرض، وحثالات البشر. ولن تقوم لأمة العُرْبِ قائمة ما لم تتراحم وتتراصّ وتكون على قلب واحد وكلمة سواء وتتأسى بقول الله العظيم، وبقول رسوله الكريم.