قد لا تبدأ أزمة مضيق هرمز في الأسواق أو الموانئ، بل في خزانات النفط. فعندما تتعذَّر حركة الناقلات، لا تفقد الكويت سوقاً مؤقتاً فحسب، بل تواجه معضلة أكثر تعقيداً: إنتاج نفطي كبير، ومنفذ تصدير محدود، وقدرة تخزين لا تسمح باستمرار الضخ طويلاً من دون تصريف. وهنا يتحول اضطراب الملاحة من مشكلة شحن وتأمين إلى ضغط مباشر على الإنتاج والإيرادات والنشاط الاقتصادي.

وتختلف درجة التأثر بين دول الخليج وفق توافر البدائل. فالسعودية والإمارات تملكان بعض القدرة على توجيه جزء من صادراتهما عبر خطوط أنابيب إلى البحر الأحمر أو بحر عُمان، فيما لا تملك الكويت حالياً مساراً بديلاً مماثلاً قادراً على استيعاب نسبة كبيرة من صادراتها النفطية.

تشير البيانات الأولية إلى تراجع إنتاج الكويت النفطي من نحو 2.58 مليون برميل يومياً في فبراير إلى قُرابة 1.2 مليون برميل يومياً في مارس، أي انخفاض قدره نحو 1.38 مليون برميل يومياً، أو ما يقارب 53.5 في المئة خلال شهر واحد.

Ad

ولم يكن الخفض ناتجاً بالضرورة عن تراجع القدرة الفنية للحقول، بل ارتبط أساساً بصعوبة تصريف الإنتاج نتيجة اضطراب حركة الناقلات وارتفاع مخاطر الشحن والتأمين. فعندما تقترب الخزانات من حدودها التشغيلية، يُصبح خفض الإنتاج إجراءً احترازياً لتجنب اختناقات التخزين أو توقف الآبار. وقد أعلنت شركة البترول الوطنية الكويتية، وفق تقارير صحافية، حالة القوة القاهرة بشأن شحنات الخام والمنتجات النفطية.

وبلغت إيرادات الصادرات النفطية الكويتية في مارس نحو 864 مليون دولار، بانخفاض يقارب 73 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. وتوضح هذه النتيجة الفرق بين ارتفاع سعر النفط والقدرة على تصديره، فالدولة لا تستفيد من السعر المرتفع إذا تعذَّر إيصال الكميات إلى المشترين.

وقدَّرت دراسة لمعهد بيكر Baker Institute أن الكويت كانت تحقق قبل الأزمة مبيعات شهرية من النفط تتجاوز 4 مليارات دولار، استناداً إلى صادرات تقارب مليونَي برميل يومياً، كما أشارت إلى احتمال اقتراب الصادرات من الصفر في حالة الإغلاق الكامل. ويعكس رقم 864 مليون دولار الإيرادات الفعلية أو القابلة للتحقق خلال شهر مضطرب، فيما يمثل تقدير 4 مليارات دولار مستوى مبيعات اعتيادياً أو سيناريو سابقاً للأزمة.

أظهرت تقديرات أولية انكماش الاقتصاد الكويتي بنسبة 4.6 في المئة على أساس سنوي بالربع الأول من عام 2026، بعد نمو بلغ 2.4 في المئة بالربع الأخير من عام 2025. كما انكمش الناتج النفطي بنسبة 12.5 في المئة، فيما يمثل القطاع النفطي نحو 42 في المئة من الناتج المحلي.

وكان صندوق النقد الدولي، وفق سيناريو مرجعي أُعد في ظل افتراضات مختلفة، يتوقع نمواً حقيقياً بنسبة 3.8 في المئة عام 2026، مع عجز مالي يبلغ 8.7 في المئة من الناتج في السنة المالية 2025/ 2026، و9.4 في المئة بالسنة المالية 2026/ 2027. لذلك، ينبغي عرض تقديرات الانكماش بين 4 و8 في المئة أو أكثر، باعتبارها نطاقات سيناريو مرتبطة بمدة الاضطراب وشدته، لا توقعات مؤكدة.

وتتضاعف حساسية الكويت، لأن الهيدروكربونات تمثل نحو 90 في المئة من الإيرادات الحكومية، فيما تأتي أكثر من 80 في المئة من السلع المتداولة من خارج المنطقة. ويصل الاعتماد على الاستيراد إلى 100 في المئة لبعض السلع، مثل: الأرز، والسكر، والحليب. ولا يعني ذلك نقصاً فورياً في جميع السلع، غير أن استمرار الاضطراب قد يرفع تكاليف النقل والتأمين والتمويل ويضغط على الأسعار المحلية.

أبعاد إقليمية واستراتيجية

يمر عبر مضيق هرمز عادة ما يقارب 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، ويذهب جزء كبير منها إلى الأسواق الآسيوية. وبالأسبوع المنتهي في 15 مارس، تراجعت صادرات النفط والمنتجات من ثماني دول شرق أوسطية إلى نحو 9.71 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 25.13 مليون برميل يومياً في فبراير، أي انخفاض قدره نحو 61 في المئة.

وفي أحد سيناريوهاته، قدَّر الاحتياطي الفدرالي في دالاس أن متوسط سعر خام غرب تكساس قد يصل إلى 98 دولاراً للبرميل، مع تراجع نمو الناتج العالمي الحقيقي بمعدل سنوي قدره 2.9 نقطة مئوية خلال الربع المعني. غير أن ارتفاع السعر العالمي لا يعوض تلقائياً الدول التي فقدت منفذ التصدير، فقد تواجه الكويت سعراً أعلى للنفط، لكن كمية أقل أو معدومة من النفط القابل للبيع.

مرونة أطول أجلاً

لا تعني هذه المؤشرات حتمية حدوث انهيار اقتصادي، إذ ستتوقف النتائج على مدة الاضطراب، وحجم الصادرات الفعلي، وتطور الترتيبات الإقليمية، لكنها تكشف بوضوح عن أن قوة الاحتياطيات المالية لا تكفي وحدها إذا ظل تصدير النفط مرتبطاً بممرٍ واحد.

ومن ثم، تبدو الحاجة قائمة إلى تعزيز المخزونات والعقود المتنوعة، وتسهيل مرور السلع الحيوية، ودراسة مسارات بديلة للنفط والمنتجات المكررة، بما في ذلك خطوط تصدير إقليمية نحو البحر الأحمر أو موانئ بحر عُمان والفجيرة. كما يمكن بحث الربط البري أو السككي للسلع الأساسية، وإنشاء ترتيبات خليجية للطوارئ في الغذاء والدواء والوقود.

هذه الخيارات ليست حلولاً فورية، بل مقترحات احترازية طويلة الأجل تتطلب دراسات فنية واقتصادية وأمنية مستقلة. غير أن الدرس الأوضح من الأزمة هو أن الكويت تستطيع تمويل جسر مؤقت، لكن حماية اقتصادها مستقبلاً تتطلب بناء أكثر من طريق إلى الأسواق. 

* كاتب واقتصادي عربي