قال أمرييف إن زيارته الأخيرة إلى الكويت شهدت مباحثات مع عدد من المؤسسات الاقتصادية والمالية الرئيسية، موضحاً أن كل لقاء تناول جانباً مختلفاً من مجالات التعاون.
وأضاف أمرييف أن المباحثات مع الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية ركزت بصورة رئيسية على التمويل التنموي، بما في ذلك التمويل المشترك وإمكانية جمع المؤسسات حول مشاريع في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والمياه والزراعة.
وأوضح أن اللقاء مع الهيئة العامة للاستثمار اتخذ طابعاً مختلفاً، إذ تركّز على الفرص الاستثمارية ذات الجدوى التجارية في قطاعات مختلفة، وعلى إمكانية الاستفادة من معرفة صندوق الاستثمار التركي بأسواق دوله الأعضاء، إلى جانب الخبرة الاستثمارية طويلة الأجل التي تتمتع بها الهيئة.
وعن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، أفاد بأن النقاش تناول التعاون المؤسسي ومجموعة التنسيق العربية، التي يتولى الصندوق العربي أمانتها التنسيقية، إضافة إلى إمكانات التمويل المشترك والتمويل الموازي وإعداد المشاريع والمساعدة الفنية، مع احترام اختصاصات كل مؤسسة.
وأكد أن القاسم المشترك بين هذه اللقاءات يتمثل في التكامل بين نقاط القوة المختلفة للمؤسسات، سواء في التمويل التنموي أو الاستثمار طويل الأجل أو تنسيق التعاون بين المؤسسات التنموية، مشيراً إلى أن الهدف بالنسبة للصندوق هو جمع هذه القدرات حول مشاريع مناسبة في الدول الأعضاء.
تعاون محتمل
وعن فرص التعاون مع الهيئة العامة للاستثمار، أكد أمرييف وجود إمكانات واضحة، موضحاً أن اختلاف طبيعة عمل المؤسستين يمكن أن يكون عاملاً إيجابياً.
وقال إن صندوق الاستثمار التركي يستطيع أن يوفر المعرفة بالأسواق المحلية، واستحداث المشاريع والوصول إلى شركاء من القطاعين العام والخاص في الدول الأعضاء، في حين تتمتع الهيئة العامة للاستثمار بخبرة استثمارية عالمية وأفق استثماري طويل وحجم كبير من الأصول.
وأشار إلى أن أصول «الهيئة» تُقدّر بنحو ستة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للكويت، معتبراً أن الجمع بين هذه القدرات يمكن أن يكون مفيداً عند البحث عن فرص استثمارية ذات جدوى تجارية.
وأوضح أن نموذج التمويل الحالي للصندوق يقوم على التعاون مع مستثمرين ومؤسسات مالية أخرى، من خلال التمويل المشترك وهياكل التمويل المجمع مع مؤسسات مالية دولية راسخة، مؤكداً أن الصندوق لا يقوم في الوقت الحالي بالإقراض بصورة منفردة أو باستثمارات رأسمالية مباشرة من جانبه.
«رؤية 2035»
ورأى أمرييف أن هناك ارتباطاً قوياً بين أهداف «رؤية الكويت 2035» وعمل صندوق الاستثمار التركي، لافتاً إلى أن الرؤية تستهدف تعزيز موقع الكويت مركزاً مالياً وتجارياً إقليمياً ودولياً وجعلها أكثر جاذبية للاستثمارات.
وأوضح أن مساهمة الصندوق التركي في تحقيق أهداف الرؤية ستكون بصورة أساسية عبر الحدود، إذ إن تفويضه التمويلي يركز على الدول الأعضاء، لكنه يستطيع دعم أهداف الرؤية من خلال توسيع الروابط الاستثمارية والتجارية بين الكويت والشركات القادمة من الدول التركية.
وأشار كذلك إلى إمكانية دعم العقود التي تشارك فيها شركات من الدول التركية، وتشجيع صادراتها إلى الكويت، خصوصاً المنتجات الزراعية، وهو ما يحدث بالفعل إلى حد ما.
وأكد أن مثل هذا التعاون يمكن أن يتيح للمستثمرين الكويتيين الوصول إلى نطاق أوسع من الأسواق والفرص الاستثمارية، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الشركات الكويتية، ويعزز موقع الكويت كحلقة وصل مالية وتجارية بين الخليج وأوراسيا.
اللوجستيات والطاقة والأمن الغذائي
وحول القطاعات التي يرى أنها الأكثر قابلية للتعاون، وضع أمرييف «البنية التحتية والخدمات اللوجستية» في مقدمة القائمة، مشيراً إلى أن انفتاح الاقتصاد الكويتي يجعل كفاءة الموانئ وشبكات النقل والتخزين وسلاسل الإمداد عناصر مهمة للنمو والمرونة الاقتصادية.
وقال إن ذلك يتوافق مع خطط الكويت للمنطقة الاقتصادية الشمالية وميناء مبارك الكبير وشبكات النقل الجديدة، بما في ذلك مشاريع الربط بالسكك الحديدية مع السعودية ودول مجلس التعاون، كما يتوافق مع اهتمام الصندوق بالربط الإقليمي وتطوير «الممر الأوسط».
وأضاف أن قطاع الطاقة يمثل مجالاً قوياً للتعاون، في ظل خبرة الكويت الواسعة في هذا المجال واستثماراتها في التحوّل نحو الطاقة، مشيراً إلى هدف الكويت المتمثل في توفير ما لا يقل عن 15% من استهلاك الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030، إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة وتوليد الكهرباء وتحلية المياه.
وأشار أمرييف إلى أن الأمن الغذائي كان أيضاً من الموضوعات المهمة التي تناولتها المباحثات خلال زيارته للكويت، لافتاً إلى وجود إمكانات قوية لتعزيز التعاون في هذا المجال بين الكويت والدول الأعضاء في صندوق الاستثمار التركي.
وقال إن كازاخستان، بما تتمتع به من إنتاج زراعي كبير وقدرات تصديرية مهمة، تمثل أحد الأمثلة على قدرة المنطقة على الإسهام في بناء سلاسل إمداد غذائي أكثر موثوقية وتنوعاً للكويت ومنطقة الخليج الأوسع.
وأضاف أن المباحثات سلطت الضوء كذلك على فرص عملية للتعاون تشمل الإمدادات الزراعية، وإنتاج وتصنيع الأغذية، والتخزين الاستراتيجي.
وأوضح أن صندوق الاستثمار التركي، أجرى، في إطار التحضير للقاءاته في الكويت، مراجعة تحليلية داخلية استندت إلى 42 مؤشراً اقتصادياً ومؤشرات للمرونة، خلصت إلى أن زيادة التنويع والاستثمار في أنظمة الغذاء والأسمدة والمياه يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة للكويت.
وأوضح أن اعتماد الكويت على استيراد الحبوب يبلغ نحو 99.4%، وفق تقييم الصندوق، إلى جانب ارتفاع الاعتماد على الأسمدة المستوردة والضغوط الكبيرة على موارد المياه العذبة.
وقال إن هذه المعطيات لا تمثل فقط نقاط تعرض للأزمات الإقليمية والعالمية، بل تكشف أيضاً عن فرص استثمارية، موضحاً أن الأمن الغذائي اليوم يشمل تنويع مصادر الإمداد، والتخزين الاستراتيجي، وسلاسل التبريد، وتصنيع الأغذية، وكفاءة استخدام المياه، وطرق النقل الموثوقة.
ولفت إلى أن عدداً من الدول الأعضاء في الصندوق يمتلك إنتاجاً زراعياً وقدرات في مجال الأعمال الزراعية وروابط نقل مهمة، ما يوفر أساساً عملياً للتعاون مع الكويت في مجالات الإنتاج الزراعي وتصنيع الأغذية والتخزين والخدمات اللوجستية.
التكنولوجيا والسياحة
وذكر أمرييف أن التكنولوجيا تمثل فرصة أخرى واعدة، في ظل تقدم الكويت في البنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحكومة الرقمية، مبيناً أن الصندوق يهتم بدوره بالبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومراكز البيانات الإقليمية والربط عالي السرعة والخدمات القائمة على التكنولوجيا.
ورأى أن السياحة تحمل إمكانات طويلة الأجل، لكنه أكد أن المجالات التي يمكن البدء فيها بصورة عملية هي الخدمات اللوجستية والبنية التحتية والطاقة وسلاسل القيمة المرتبطة بالغذاء والمياه والتكنولوجيا.
الكويت بوابة بين الخليج والعالم التركي
وأكد أمرييف أن الكويت تتمتع بمقومات تؤهلها لأن تصبح «بوابة مالية وتجارية مهمة بين الخليج والاقتصادات التركية»، موضحاً أن الدول الأعضاء في الصندوق تشكل فضاءً جغرافياً يربط آسيا الوسطى والقوقاز وتركيا وأوروبا، بينما تتمتع الكويت بمؤسسات مالية قوية وروابط اقتصادية عميقة في الخليج والعالم العربي.
وأوضح أن الهدف هو تحويل هذا الترابط إلى واقع عملي، بحيث يساعد الصندوق المستثمرين الكويتيين في التعرف على الشركاء والفرص الموثوقة في الدول الأعضاء والدخول إلى أسواقها بكفاءة أكبر، وفي الاتجاه المقابل يمكن لشركات ومؤسسات مالية من الدول الأعضاء الاستفادة من تعزيز علاقاتها مع الكويت لتطوير فرصها في الخليج.
وقال إن مفهوم «البوابة» لا يتعلق بالموقع الجغرافي فقط، بل يعني إنشاء تدفقات منتظمة للاستثمار والتمويل والتجارة، مدعومة بشراكات تجارية أقوى في الاتجاهين.
فرص للقطاع الخاص
وأكد أن هناك مجالاً واسعاً أمام القطاع الخاص الكويتي للمشاركة في المشاريع التي يدعمها الصندوق، موضحاً أن التفويض التمويلي الحالي للصندوق يشمل الدول الست الأعضاء: أذربيجان والمجر وكازاخستان وقيرغيزستان وتركيا وأوزبكستان.
وأوضح أن الشركة الكويتية لا تحتاج إلى أن تكون من إحدى الدول الأعضاء للمشاركة تجارياً في مشروع يدعمه الصندوق، وإنما يجب أن يكون المشروع نفسه ضمن اختصاص الصندوق ومستوفياً للمعايير المالية والتنموية ومعايير الحوكمة المطلوبة.
وأشار إلى أن الشركات الكويتية يمكنها المشاركة كمستثمر أو شريك في مشروع مشترك، أو توفير التكنولوجيا والمعدات والخدمات المتخصصة، أو العمل كمشغل أو مقاول، فيما يمكن للمؤسسات المالية الكويتية المشاركة في التمويل المجمع أو الموازي، إضافة إلى فرص محتملة في تمويل التجارة ومن خلال الوسطاء الماليين.
وأكد أن الدور المحدد سيعتمد على طبيعة المشروع والقطاع، مشدداً على أن هدف الصندوق ليس استبدال الاستثمار الخاص بالمال العام، وإنما مساعدة المشاريع المعدة بصورة جيدة على جذب مزيد من رأس المال الخاص.
من الحوار للمشاريع
وعن الخطوات المقبلة لتحويل الحوار الحالي إلى مشاريع استثمارية فعلية، قال أمرييف إن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون عملية للغاية.
وأوضح أن الخطوة الأولى تتمثل في إقامة اتصالات مباشرة على مستوى فرق العمل بين الصندوق والفرق المختصة في الهيئة العامة للاستثمار والصندوق الكويتي للتنمية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب المؤسسات الأخرى في مجموعة التنسيق العربية.
وأضاف أن الخطوة التالية تتمثل في مقارنة معايير الاستثمار واختيار عدد محدود من الفرص التي تستحق المتابعة، قائلاً إنه يفضل البدء بـ»فرصتين أو ثلاث فرص جيدة» بدلاً من إعداد قائمة طويلة وعامة.
وأكد ضرورة تحديد المؤسسة المناسبة لكل فرصة، بحيث يمكن أن تكون الاستثمارات التجارية طويلة الأجل مناسبة للهيئة العامة للاستثمار، فيما قد تكون المشاريع التنموية أو احتياجات إعداد المشاريع أكثر ملاءمة للصندوق الكويتي للتنمية، بينما قد تحتاج العمليات الإقليمية الأكبر إلى مشاركة عدد من المؤسسات التنموية والتنسيق من خلال مجموعة التنسيق العربية.
وختم أمرييف بالقول إن نجاح الزيارة يمكن قياسه بصورة بسيطة: «إذا تمكنت فرقنا من نقل فرصتين أو ثلاث فرص موثوقة من مرحلة الفحص الأولي إلى مناقشات جادة بشأن الهيكلة والتمويل، فإن هذا الحوار سيكون قد حقق بالفعل نتيجة ملموسة».