عظمة الشعوب لا تُقاس فقط بما تبنيه من ناطحات سحاب أو بعدد علمائها وأثريائها. أحيانا تبدأ العظمة من إنسان فقد بيته وعمله وبلده، ثم استيقظ في صباح غريب، وتعلّم لغة جديدة، وذهب إلى العمل.

هذه واحدة من أكثر القصص السورية التي تستحق أن تُروى.

خلال سنوات النزوح واللجوء، كان الإنجاز أحيانًا أمًّا تعيد بناء بيت لأطفالها، وطالبا يعود إلى الدراسة، وطبيبا يعيد امتحاناته كي يمارس مهنته، وعاملا يقبل بداية متواضعة بعدما كان صاحب مهنة ومكانة.

Ad

لكن أكبر البطولات ربما حدثت في الداخل: أن يحوّل الإنسان ألمه إلى تحدٍّ، والتحدي إلى إنجاز؛ أن يجعل مما حدث له دافعا للتشافي والتقدم، لا سجنا يبقى فيه. أن يستعيد ثقته بعد الخوف، وقدرته على الحلم بعد الفقد.

ثم كبرت الحكايات.

في ألمانيا، وصل معدل توظيف اللاجئين السوريين بعد 7 سنوات من وصولهم إلى نحو 61 بالمئة، وأصبحوا جزءا مهما من قطاعات العمل، بينها الصحة. ووصل السوري ريان الشبل، الذي جاء لاجئا، إلى رئاسة بلدية بالانتخاب، بينما وصلت يسرى مارديني من رحلة اللجوء والبحر إلى الألعاب الأولمبية.

ووصل سوريون إلى منصات التكريم العالمي؛ حصد فيلم وعد الخطيب For Sama جائزة BAFTA، ووصل إلى ترشيحات الأوسكار، وأسهم السوري حسن قطان في تصوير The White Helmets الفائز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي قصير.

وهذه محاولة ليست لصناعة أسطورة عن «تفوّق السوري»، بل شهادة على قدرة إنسانية ظهرت حين وُضع الملايين أمام امتحان البدء من الصفر.

وهذه القدرة هي ما تحتاجه سورية اليوم.

فالانتقال من دولة ترسخت فيها الدكتاتورية لعقود إلى دولة مدنية حرة ومتطورة ليس تغيير سلطة فحسب؛ إنه بناء للقانون والمؤسسات والاقتصاد والثقة.

وربما ما يعيشه السوري اليوم بين الأمل وصعوبة المعيشة وطول الانتظار ليس سهلًا. لكن مَن تحدّى الحرب والنزوح واللجوء، وطالب بكرامته ودفع أثمانًا باهظة، هو خير من يستطيع الصمود في هذه المرحلة التحولية.

كما تستحق مبادرات دول مجلس التعاون الخليجي تجاه سورية، وما أبدته من حُسن نيّة وحماس لتطويرها ودعم استقرارها، تقديرًا كبيرًا بوصفها تعبيرًا عن التآزر والتآخي في المنطقة.

سورية لا تحتاج إلى أبطال خارقين، بل إلى ملايين الانتصارات الصغيرة التي تصنع وطنا كبيرا.

لقد تعلّم السوري خلال أقسى سنواته كيف يحوّل الألم إلى بداية.

وأمام تحديات سورية القادمة، يمكنهم ببساطة عظمتهم.