في شرق تيماء، تلقّى عدد من المواطنين رسائل تُنهي عقود إيجارهم وتحدّد لهم موعداً للإخلاء، بعد تغيّر الوضع القانوني المرتبط بما عُرف بـ«قانون من باع بيته»، انتقلت القضية إلى القضاء، وفي يوم واحد صدرت عشرة أحكام ألغت قرارات الإخلاء.
ما حدث قد يبدو شأناً إسكانياً، لكنه يفتح باباً على مسألة أوسع، ماذا يحدث عندما تتغيّر قاعدة عاش الناس سنوات وهم يرتبون حياتهم على أساسها؟
هنا لا نتحدث عن صحة قرار بعينه أو خطئه فللقانون أهله، وإنما عن طبيعة اتخاذ القرار العام، فالدولة لا تدير شؤونها في ظروف ثابتة، والمسؤول لا يعمل من دون معطيات، أمامه أرقام ودراسات وموارد والتزامات وبدائل، وقد تقوده إلى مراجعة سياسة قائمة أو اتخاذ قرار لن يرضي الجميع، وهذا حقه ومسؤوليته في الوقت نفسه.
لكن ما يجعل القرار صعباً أحياناً ليس مضمونه فقط، بل الطريقة التي ينتقل بها إلى الواقع.
ففي إدارة القرار العام، هناك الحسم السريع أو ما يعرف بـ«الصدمة»، وهناك التدرج، حيث إن بعض القرارات لا تحتمل التأجيل، لأن التأخير قد يضاعف المشكلة، وبعضها يحتاج إلى أناة، خصوصاً عندما يمس التزامات نسجها الناس عبر سنوات، لذلك لا «الصدمة» خطأ دائماً، ولا التدرج حكمة دائماً، فالميزان بينهما تصنعه طبيعة القرار وتوقيته وآثاره، وتبقى البوصلة هي بلوغ المصلحة العامة بأقل قدر ممكن من الضرر.
وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم في الإدارة العامة والقانون الإداري يُعرف بـ«التوقعات المشروعة»، وقد أفرد له ألكسندر براون كتاباً بعنوان «نظرية في التوقعات المشروعة للإدارة العامة»، صدر عن جامعة أكسفورد عام 2017.
ويحمل فكرة ألا تبقى الدولة أسيرة سياسات سابقة، ولا أن يتحول ما اعتاده المواطن إلى حق ثابت لا يُراجع أو بمفهوم بسيط أن الإنسان حين يعيش سنوات في ظل نظام معين، يبني عليه قراراته والتزاماته، ولذلك يصبح أثر الانتقال إلى نظام جديد جزءاً من حسابات القرار نفسه وعلاقة بينهما اسمها الثقة التي تحميها الشفافية.
فحين يمس القرار حياة الناس، لا يكفي أن يعرفوا أنه صدر، المهم أن يعرفوا كيف سيُطبق، وما الذي سيتغير فعلياً. فالتفسير الرسمي إذا تأخر يصنع فراغاً تملؤه الاجتهادات، وتتحول مجموعات الواتساب ومنصات التواصل إلى مساحات للتأويل.
والحل ليس معقداً، فالقرار يحتاج إلى بيان يشرح آلية تنفيذه، وتاريخ سريانه، والحالات التي يشملها، مع قناة رسمية تجيب عن الأسئلة، فإن احتاج إلى فترة انتقالية أُعلنت منذ البداية، وإن استدعى حسماً عاجلاً شُرح لماذا لا يحتمل الانتظار.
وعند هذه النقطة يظهر معنى «المواطن الصالح» فهو من يعرف أن له حقوقاً وعليه واجبات، ويدرك أن المسؤول قد يفاضل بين بدائل لكل منها ثمنه، فلا يزن القرار فقط بما سيكسبه أو يخسره، وإنما بما يحققه للمصلحة العامة أيضاً.
وبالعودة الى قضية شرق تيماء، فالحقيقة أن القضية لم تكن مجرد إشعار على هاتف، بل مثال على حقيقة أن القرار يبدأ أثره الحقيقي حين ينتقل من الورق إلى حياة الناس.
فمن حق المسؤول أن يقرّر بما لديه من معطيات، ومن حق المواطن أن يفهم ما سيُغيّر حياته، وبين القرار والفهم، تظل الشفافية أقصر الطرق إلى الثقة.