يلاحظ في الآونة الأخيرة صدور عدة قوانين وتشريعات وقرارات تنظم قطاعات أو أسواقاً معينة من قبل الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة التجارة.
هذه التشريعات لا شك في أنه تمت صياغتها من أجل تحقيق أهداف محددة، وفق منظور واجتهاد الفرق أو اللجان التي عملت على ذلك، لكن لفت انتباهي عدة ملاحظات من أهمها:
- هذه القوانين تصدر من دون أية مقدمات أو نقاشات، أو على الأقل إعلان مسبق بوجود نشاط قانوني يستهدف تعديلاً معيناً عليها، وهذا سلوك من شأنه أن يحدث «صدمة تنظيمية» بالإمكان تفادي كلفتها، فيما لو كانت هناك شفافية أعلى في هذا الشأن.
- هذه التشريعات لا تبدو أنها متجانسة مع قوانين أخرى موجهة لتحقيق أهداف رئيسية مشتركة، لذلك هناك حاجة ماسة إلى تبني آليات وأسس واضحة تقوم على مشاركة كل المؤسسات الاقتصادية المختصة، بحيث يصدر القانون وفق رؤية متكاملة تراعي كل الأبعاد التي قد تنشأ عنه.
- الإصلاح الاقتصادي لا يكون من خلال «التوسع في تقييد الأسواق» بقوانين وأنظمة قد تزيد من تعقيده. ففي بعض الأحيان قد لا تكون الأسواق بحاجة إلى مزيد من القوانين، بل على العكس تحتاج إلى تخفيف القيود التنظيمية الحالية، لاحتمالية أن تكون هي أصل المشكلة.
ولعل هذه الملاحظات تنطبق على قانون التستر التجاري الصادر أخيراً، لذلك كان بودنا أن نرى نقاشاً أو طرحاً علنياً من الجهات المعنية يوضح التالي:
- لماذا التستر موجود؟
- هل «قيود الدخول إلى السوق» لها دور في ظاهرة التستر؟
- هل تلك القيود كانت مبنية على تحقيق مصلحة عامة للاقتصاد المحلي؟ وهل حققت ذلك؟
- هل تمّت مناقشة مثل هذه القوانين مع هيئة تشجيع الاستثمار المباشر وجهاز حماية المنافسة؟ وماذا كان رأيهما فيها وانعكاساتها على جاذبية الأسواق المحلية والمنافسة؟
برأينا، هذه الأسئلة هي التي يجب أن تتشكل من خلالها الرؤية الإصلاحية، أما أن يتم إصدار قانون لكل خلل نشأ نتيجة لسياسات قديمة لم تتم مراجعتها وتحديثها بشكل يتماشى مع مستهدفات الدولة الجديدة، فهذا أخشى أن يكون تراكماً تنظيمياً ومزيداً من التعقيد على حساب تنافسية بيئة الأعمال المحلية. علماً أن محاولة فرض هوية أو نموذج اقتصادي معين على واقع لا يماثله ثبت أنه غالباً لا يحقق إلا نجاحاً شكلياً، ولنا في قانون دعم العمالة أبرز مثال حي.
ختاماً، كما أن ترك بعض القطاعات أو الأسواق من دون تنظيم وتشريع يضمن مرتكزات اقتصادية أساسية يعد خللاً كبيراً، فإن الإفراط التشريعي كذلك قد لا يكون في مصلحة الاقتصاد، خصوصاً إذا كان مبنياً على معالجة الآثار والنتائج، لا جذور تلك المشكلة.
* محاضر سابق في جامعة بورتسموث - المملكة المتحدة