ليس أصعب ما يواجهه المريض هو المرض نفسه، بل لحظة دخوله إلى عيادة الطبيب وهو لا يعرف ماذا ينتظره.

في تلك اللحظة، لا يبحث المريض عن تشخيص فقط، بل يبحث عن كلمة تطمئنه، ونظرة تشعره بالأمان، وطبيب يرى فيه إنساناً قبل أن يرى فيه حالة مرضية.

ومن هنا تبدأ حقيقة الطب.

Ad

فالطب لم يكن يوماً علماً مجرداً، بل رسالة تجمع بين المعرفة والرحمة، وبين المهارة والأخلاق. وقد يتطور العلم، وتتقدم الأجهزة ووسائل التشخيص والعلاج، لكن قيمة أساسية تبقى ثابتة وهي: الطبيب لا يعالج المرض وحده، بل يعالج الإنسان.

ولعل أكثر ما يبقى في ذاكرة المرضى ليس اسم الدواء ولا تفاصيل الفحص، بل الطريقة التي عاملهم بها طبيبهم. قد ينسى المريض بعض ما قيل له، لكنه نادراً ما ينسى كيف شعر أثناء لقائه بطبيبه.

وهذا ليس مجرد شعور، فالدراسات تشير إلى أن الإنصات الجيد، والتواصل الواضح، والتعاطف مع المريض يمكن أن تعزز ثقته بطبيبه، وتحسن التزامه بالعلاج، وتدعم نتائج الرعاية الصحية.

وأحياناً لا يحتاج المريض من طبيبه إلى أكثر من أن يشعر بأنه مسموع، وأن ينظر إليه عندما يتحدث، وألا يقاطعه، وأن ينتبه إلى خوفه وقلقه، وأن يشرح له حالته بلغة يفهمها. قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها بالنسبة للمريض قد تكون جزءاً أساسياً من علاجه.

والأخلاق لا تظهر فقط في الكلمات الجميلة، بل في المواقف الصعبة: عندما يكون الطبيب تحت ضغط، أو عندما لا يعرف الإجابة، أو عندما يحتاج إلى الاستعانة بزميل أكثر خبرة، فقول الطبيب «لا أعرف» أحياناً أكثر أمانة من إجابة واثقة لا تستند إلى علم.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى عالم الطب، قد تصبح بعض المهام التي يقوم بها الطبيب اليوم أكثر سهولة، وربما تستطيع الأنظمة الذكية تحليل الصور والبيانات، واقتراح التشخيصات، والمساعدة في اتخاذ القرارات الطبية بسرعة ودقة.

لكن هناك شيئاً يصعب استبداله: العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض.

فالآلة تستطيع أن تحلل نتائج الفحوص، لكنها لا تشعر بخوف المريض. تستطيع أن تقدم قائمة من الاحتمالات، لكنها لا تستطيع أن تنظر في عينيه وتعرف متى يحتاج إلى الصمت، ومتى يحتاج إلى كلمة تطمئنه. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الطبيب في معرفة ما قد يكون المرض، لكن يبقى على الطبيب أن يفهم من هو الإنسان الذي أمامه، وما الذي يعنيه هذا المرض في حياته.

ولهذا، قد لا يكون مستقبل الطب هو طبيب ضد الذكاء الاصطناعي، بل طبيب يستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد إنسانيته.

لذلك، رسالتي إلى طلبة الطب والأطباء الشباب: اجتهدوا في تحصيل العلم، وطوّروا مهاراتكم، وابقوا على اطلاع دائم بما يستجد في الطب، فالعلم هو أساس المهنة، والتكنولوجيا ستكون جزءاً أساسياً من مستقبلها.

لكن لا تسمحوا للعلم أو التكنولوجيا أن يطغيا على الإنسان الذي أمامكم.

فالمريض قد ينسى اسم الدواء بعد سنوات، لكنه قد يتذكر الطبيب الذي استمع إليه دون استعجال، أو طمأنه في لحظة خوف، أو عامله باحترام عندما كان في أضعف حالاته.

في النهاية، قد تُعلَّق الشهادات على الجدران، وتُسجل الإنجازات في الملفات، وقد تصبح التكنولوجيا أكثر ذكاءً من أي وقت مضى، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو الرحمة، والاحترام، وحسن المعاملة.

فالعلم قد يصنع طبيباً ناجحاً، والتكنولوجيا قد تجعل الطب أكثر دقة... أما الأخلاق والإنسانية فهما ما يصنعان طبيباً خالداً في قلوب مرضاه.

* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة،   معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة.

قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.