استبق الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حزمة إجراءات عقابية ستجعل النظام الإيراني في عزلة دولية غير مسبوقة بموازاة تشديده الحصار البحري المفروض على سفنه وموانئه، ودعا، أمس، طهران، التي أنهكها الحصار البحري، إلى «رفع الراية البيضاء والاستسلام».
وفي تعليق ضمني على انتهاء مهلة الـ60 يوماً المنصوص عليها في مذكرة إسلام آباد، التي انتهت أمس دون التوصل إلى اتفاق دائم على إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، قال ترامب لـ «فوكس نيوز»: «ليس لدي جدول زمني محدد، ولستُ في عجلة من أمري، وعلى إيران أن ترفع راية الاستسلام البيضاء».
وأكد ترامب وجود قناة اتصال مباشرة مع مسؤولي «الحرس الثوري»، لافتاً إلى أنهم بارعون في المفاوضات ولعبة البوكر، لكنهم على الرغم من ذلك سيُهزَمون وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة.
وفي ظل عدم إحراز تقدم في الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، كتب ترامب، على منصته (تروث سوشيال)، إن «الهدف الرئيسي هو، وسيظل دائماً، ألا تمتلك إيران، بأي طريقة أو أي شكل من الأشكال، سلاحاً نووياً»، مشيراً إلى أن «انتخابات التجديد النصفي للكونغرس لا علاقة لها» بخطواته في الصراع الذي يتسبب في تضخم الأسعار.
وفي وقت لم يستبعد العودة للجوء إلى الخيار العسكري، رفض ترامب المخاوف التي تثيرها تسريبات بشأن مخزون الأسلحة لدى الجيش الأميركي، مؤكداً أن بلاده «لا تزال تمتلك احتياطيات كبيرة من الأسلحة المتوسطة المستوى، وما استخدمناه لا يُذكر».
وفي حين أكد ترامب أن رهان الوقت في مصلحته، كشف مصدر رفيع بالمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لـ «الجريدة»، أن طهران، في جوابها على الوسطاء القطريين والباكستانيين، رفضت قبول تمديد وقف النار، لأنها تعتبر أن الحصار البحري المفروض عليها ضمن الأعمال الحربية.
وزعم المصدر أن واشنطن تضخ يومياً نحو 20 مليون برميل نفط من مخزونها الاستراتيجي في الأسواق للسيطرة على أسعار الطاقة العالمية جراء إغلاق مضيقَي هرمز وباب المندب.
وتوقّع المسؤول الإيراني عدم قدرة إدارة ترامب على مواصلة ذلك الوضع أكثر من أسبوعين، مع تراجع المخزون الاستراتيجي الأميركي إلى أدنى مستوياته التاريخية، وبعدها ستنفجر الأسعار، خصوصاً مع قرب الخريف والشتاء، وهو ما سيجعلها في مواجهة انتقادات غير مسبوقة داخلياً ودولياً، وسيضطرها لقبول التوصل إلى اتفاق سلام أو توقيع معاهدة شاملة مثلما كانت مذكرة إسلام آباد تنص.
ومع تعويل طهران على أسبوعين مصيريين لكسب المواجهة التي بدأت في فبرير الماضي، أشار المصدر إلى التقرير الذي قدمه وزير الخارجية عباس عراقجي عن الاتصالات ومجرى المفاوضات بين إيران وعمان من جهة، وطهران وواشنطن من جهة أخرى، قائلاً إن كل أعضاء «الأعلى للأمن القومي» يؤيدون رفض السماح بفتح «هرمز» بأي ثمن ما لم تقبل الولايات المتحدة بوقف دائم للحرب والأعمال العدائية ضد إيران وحلفائها الإقليميين.
وادّعى أن طهران لديها ما يكفيها لسد حاجاتها مدة تزيد على 6 أشهر، حتى لو تم إقفال كل المنافذ الحدودية من جانب الأميركيين، ومن جهة أخرى فإنها حصلت على تطمينات من دولتين حليفتين أنهما ستقدمان كل المساعدة التي تحتاجها للصمود. وتحدث المصدر عن أن المجلس سيدرس خطة طرحها أمينه الجديد محسن رضائي بهدف كسر الحصار الأميركي وحماية السفن الإيرانية في اجتماعه المقبل، حتى لو أدى ذلك إلى تجدد الحرب الكاملة مع واشنطن.
وفي تفاصيل الخبر:
بعد فشل جهود تمديد وقف النار بين بلده وإيران وفقاً لمذكرة تفاهم إسلام آباد، أقرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوجود قناة خلفية للتواصل بين إدارته و«الحرس الثوري» الإيراني، مشيراً إلى أنه ليس في عجلة من أمره للتوصل إلى اتفاق مع إيران التي جدد مطالبتها برفع الراية البيضاء للاستسلام.
وقال ترامب في تصريحات لشبكة «فوكس نيوز»، أمس: «ليس لدي جدول زمني بشأن إيران»، مضيفاً أن «الجانب الإيراني لاعب جيد في القمار لكنه يلفظ أنفاسه الأخيرة».
وأشار إلى أن انتخابات التجديد النصفي الأميركية لا تؤثر إطلاقاً على تفكيره بخصوص النزاع مع طهران الذي لا يحظى بشعبية داخل الولايات المتحدة جراء تسببه باضطرابات في إمدادات النفط والغاز والأسمدة وتضخم الأسعار.
وفي وقت تستعد وزارة الخزانة الأميركية لفرض حزمة عقوبات قالت إنها ستجعل إيران في عزلة غير مسبوقة، لفت ترامب إلى أن الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ والسفن الإيرانية يواصل إلقاء ضغوط جديدة على طهران.
ورفض المخاوف بشأن مخزون الأسلحة لدى الجيش الأميركي، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك احتياطيات كبيرة من الأسلحة متوسطة القوة «وما استخدمناه قليل جداً».
وبعد تصريحات لنائبه جي دي فانس قال فيها إنَّ الأولوية حالياً باتت خفض أسعار المحروقات واستقرار تدفقات المحروقات من الخليج وليس البرنامج الذري الإيراني، كتب ترامب على «تروث سوشيال»: «الهدف الأول، وسيظل كذلك دائماً، هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي بأي شكل من الأشكال».
تضارب وتهديدات
ووسط تضارب بين أجنحة النظام الإيراني بشأن التعامل مع التفاهم الدبلوماسي وما إذا كان قائماً أم أنه منعدم، ذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، أن مذكرة التفاهم لا تتضمن أي بند يتعلق بـ «مهلة 60 يوماً»، مؤكداً أن بلده لا تحدد سياساتها تحت الضغط أو الإنذارات أو المواعيد النهائية، بل تستند جميع قراراتها إلى تقييم مصالحها وأمنها القومي.
واعتبر بقائي أن ما نصت عليه المذكرة، التي سبق أن أعلن ترامب أنها انتهت في 8 يوليو الماضي بعد استئناف «الحرس الثوري» الهجمات في هرمز، كان مجرد فترة زمنية مدتها 60 يوماً لإجراء محادثات بشأن محورين، هما رفع العقوبات والملف النووي، مشيراً إلى أن هذه الفترة كانت قابلة للتمديد في حال عدم التوصل إلى نتيجة.
وأضاف بقائي أن ما وصفه بـ «الانتهاك الصارخ والواسع» للمذكرة من جانب الولايات المتحدة، حال دون بدء أي محادثات.
وأشار إلى أن المباحثات مع سلطنة عُمان مستمرة وبحاجة إلى اللمسات الأخيرة لإعلان اتفاق، لكنه وصفها بأنها «شائكة ومعقدة» وتحتاج إلى نقاش طويل.
من جانب آخر، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير قوله إن بلده ستصعّد التوتر في «هرمز» والمنطقة ككل في حال فشل المساعي الدبلوماسية مع واشنطن، مشيراً إلى تحول في السياسة الإيرانية نحو الاعتماد على الهجوم بدلاً من الدفاع. وزعم المسؤول أن طهران حددت مهلة بضعة أسابيع لتنفذ أميركا مذكرة التفاهم بالكامل، قائلاً: «سيتم إبلاغ الأميركيين ودول المنطقة بالإطار الزمني الذي حددته إيران عبر الوسطاء».
واعتبر المسؤول أن الضغط على أميركا أو الاعتماد على الوسطاء للتوصل إلى اتفاق دائم ليس أمراً واقعياً، مؤكداً في الوقت نفسه أن طهران لن تنتظر أن تواصل واشنطن الحصار البحري إلى أجل غير مسمّى. وأعلن أن جميع الأجهزة الإيرانية ستكون على أهبة الاستعداد لتصعيد التوتر في حال فشل الدبلوماسية.
وكانت المذكرة، التي وُقعت بوساطة باكستانية وقطرية، قد حددت مهلة 60 يوماً قابلة للتمديد للتفاوض على تسوية أوسع تشمل وقف الحرب الإقليمية والبرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الملاحة في «هرمز». لكن طهران أعلنت في 15 يوليو أنها لا تعد نفسها ملزمة ببنودها، بعد إعادة واشنطن فرض الحصار البحري واستئناف الضربات.
وعلى الرغم من شيوع وصف «هدنة الـ 60 يوماً»، فإن نصّ المذكرة يفرّق بين وقف العمليات العسكرية والمهلة المحددة للمفاوضات، إذ ينص بندها الأول على «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية»، في حين يحدد البند الثالث مهلة أقصاها 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي، مع إمكان تمديدها بموافقة الطرفين.
رصد وتصعيد
وفي ظل ضبابية التطورات المحتملة للصراع، نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن محللين قولهم إن واشنطن وطهران تبدوان في طور الاستعداد لحملة طويلة من الاستنزاف الاقتصادي قد تتطور بسهولة إلى مواجهة عسكرية جديدة.
ورصدت جهات إسرائيلية ما وصفته بمؤشّرات تفيد بأنّ قيادة إيران المتشدّدة تغيّر تصوّرها لطبيعة الحرب، حيث تستعدّ لاحتمال توسيع نطاق المواجهة للرّد على تشديد الضغوط الاقتصادية والحصار البحري المفروض عليها، في حين ذكرت «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤولين مطلعين أن «الحرس الثوري» استغل حالة الهدوء التي أوجدتها مذكرة التفاهم لتهيئة الأرضية مع حلفائها من الجماعات في أنحاء المنطقة من أجل تكثيف الهجمات عند الضرورة.