لا أدري كيف يمكن للحوكمة أن تكون مبدأً مقدساً عندما نحتاج إليها، ثم تتحول إلى تفصيل صغير يمكن تجاوزه عندما لا تعجبنا نتيجتها!
هذا السؤال فرض نفسه بعد البيان الذي أصدره الاتحاد القطري لكرة القدم على لسان رئيسه الشيخ حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني، منتقداً فيه الاتحاد الآسيوي لكرة القدم والواضح هنا أن المقصود ضمنياً هو رئيس الاتحاد الشيخ سلمان بن إبراهيم لاتخاذه موقفاً باسم الاتحادات الأعضاء من دون التشاور معها أو الحصول على موافقتها، فالاتحاد القطري أكد أنه لم يُستشر ولم يُبلّغ قبل صدور الموقف الآسيوي المشترك مع الاتحادين الأوروبي واتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي ضد رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو.
المفارقة هنا أن الشيخ سلمان بن إبراهيم، كان قبل أسابيع قليلة أكثر الناس حديثاً عن خطورة القرارات المنفردة، عندما انتقد إنفانتينو بسبب مقترح إنشاء شركة تجارية لإدارة الحقوق التجارية ومسابقات الفيفا، مؤكداً أن مثل هذه القضايا الكبيرة لا يجوز أن تُطرح بعيداً عن التشاور والحوكمة والشفافية، وكان الكلام جميلاً ومقنعاً، بل يكاد يصلح أن يكون درساً في الحوكمة الرياضية، لكن المشكلة أن الدرس نفسه يبدو أنه لم يصل إلى أروقة الاتحاد الآسيوي أو مكتب رئيسه! فحين اتخذ إنفانتينو قراراً من دون التشاور مع الاتحادات القارية والوطنية، أصبح الأمر تعدياً على مبادئ الحوكمة، أما حين اتخذ الاتحاد الآسيوي موقفاً باسم أعضائه من دون أن يسألهم، فقد أصبح الأمر موقفاً جماعياً! هنا تحديداً تصبح المسألة بحاجة إلى تفسير، لأن الحوكمة لا يفترض أن تكون مثل «منيو المطعم» نختار منه ما يناسبنا ونترك الباقي.
ولعل الأغرب في الموقف أيضاً أن الحلفاء الأوروبيين والأميركيين الشماليين، عندما أرادوا اتخاذ موقف جماعي، ذهبوا إلى اتحاداتهم وعقدوا اجتماعات وتشاوروا وصوّتوا وخرجوا بموقف يمثل أعضاءهم، أما الاتحاد الآسيوي، صاحب القارة الأكبر والأكثر عدداً، فاختصر رئيسه أو أي كان المعني بهذا الأمر الطريق واتخذ موقفاً باسم الجميع دون أن يكلف خاطره بسماع رأيهم، والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذا الاستعجال؟ ولماذا لم يُدعَ الأعضاء إلى اجتماع واضح وصريح، يُطرح فيه الأمر للنقاش، ثم يُترك لهم اتخاذ القرار؟ خصوصاً أن الاتحاد الآسيوي نفسه يقول إن مستقبل كرة القدم يجب أن يُبنى من خلال التشاور، والحوار الجماعي، واحترام هياكل الحوكمة القائمة.
في النهاية لا بد أن نؤكد أن المشكلة ليست في أن يكون الاتحاد الآسيوي أو رئيسه ضد إنفانتينو، فهذا حقه، ولا في أن يختلف معه، فهذا طبيعي، المشكلة في أن يرفض مبدأ القرار المنفرد عندما يصدر من زيورخ، ثم يمارسه عندما يصدر من كوالالمبور، هنا لا نملك إلا أن نقول «الحوكمة شيء جميل جداً، بشرط ألا تكون على المقاس»!
بنلتي
شكراً حمد بن خليفة، فقد جاء موقفه ليؤكد أن الحوكمة والشفافية ليستا ورقة تُستخدم في مواجهة الخصوم، بل مبدأ ثابت لا يتجزأ، يسمو على أي موقف داعم أو مناهض لشخص أو منظمة فالمبدأ الحقيقي لا يتغير بتغير الأشخاص، ولا يتبدل بتبدل المصالح، وإلا فقد معناه وتحول إلى مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.