من أجمل ما سمعته قبل سنوات قول أحد الحكماء: «الشجرة لا تعطي أفضل ثمارها في أول عمرها»، وتذكرت هذه العبارة كثيراً وأنا أراقب نظرة بعض المجتمعات إلى من تجاوزوا الستين. هناك من يظن أن نهاية الوظيفة تعني نهاية العطاء، وأن التقاعد بداية الانسحاب من الحياة العامة، والحقيقة أن هذه المرحلة قد تكون بداية دور مختلف، لا يقل أهمية عن كل ما سبق، فالوظيفة تنتهي أما الخبرة فلا تتقاعد.
ثروة لا تُقاس بالمال
بعد أربعين أو خمسين عاماً من العمل، لا يكون الإنسان قد جمع راتباً أو منصباً فقط، وإنما جمع آلاف المواقف والتجارب والدروس التي لا تُدرَّس في الجامعات. هذه الخبرة هي ثروة وطنية قبل أن تكون ثروة شخصية، ولهذا أشعر دائماً بالحزن عندما أرى طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو قاضياً أو عسكرياً أو إدارياً يغادر موقعه، ثم تنقطع صلته بما أفناه من عمر في بنائه، وكأن المجتمع يبدأ من جديد مع كل جيل. المجتمعات الذكية لا تترك الخبرة تغادر مع أصحابها، بل تجعلها تنتقل بصورة طبيعية إلى من يأتي بعدهم.
لا تترك تجربتك في ذاكرتك
كل واحد منا يحمل قصة تستحق أن تُروى. ليست قصة نجاح فقط، بل قصة أخطاء أيضاً، لأن الأجيال تتعلم من التجارب الصعبة أكثر مما تتعلم من الإنجازات. ليس المطلوب أن يكتب كل إنسان كتاباً، وإنما أن يفكر: ماذا أستطيع أن أنقل؟ ومن أولى الناس بذلك؟ قد تكون جلسة أسبوعية مع الأبناء، أو لقاء مع شباب المهنة، أو مقالات، أو مذكرات، أو حتى تسجيلات صوتية تبقى بعده. الخبرة إذا لم تُنقل، تموت مرتين، مرة برحيل صاحبها، ومرة بخسارة المجتمع لها.
المجتمع يحتاج الحكماء
في كثير من الدول المتقدمة، يُنظر إلى ما بعد الستين على أنه مرحلة تتسع فيها الرؤية، فالإنسان في هذه السن لا يرى التفاصيل فقط، بل يرى الصورة كاملة، ولهذا نجد كثيراً من كبار المستشارين، وأعضاء مجالس الإدارات، ومراكز التفكير، واللجان الوطنية، هم ممن تجاوزوا الستين. ليس لأنهم أكثر ذكاءً من غيرهم، وإنما لأن الزمن منحهم شيئاً لا يُشترى، وهو الخبرة. ومجتمعاتنا العربية أولى بالاستفادة من هذه الثروة، لأن لدينا رجالاً ونساءً راكموا تجارب كبيرة في الإدارة، والاقتصاد، والتعليم، والطب، والعمل العام، والتطوع، والعلاقات الإنسانية. الخبرة لا ينبغي أن تكون للتقاعد، وإنما للتوجيه.
البيت... أول مدرسة
وأعتقد أن أول من يستحق هذه الخبرة هو الأسرة. الأحفاد لا يحتاجون إلى هدايا بقدر حاجتهم إلى قصة يرويها الجد، أو موقف عاشته الجدة، أو نصيحة جاءت بعد تجربة طويلة. الأبناء أيضاً لا ينتظرون حلولاً لكل مشكلاتهم، لكنهم يحتاجون إلى شخص هادئ يسمعهم، ويشاركهم الرأي، من غير أن يفرضه عليهم. الحكمة لا تُقاس بكثرة الكلام، وإنما بحسن توقيته. وأجمل ما يفعله الإنسان في هذه المرحلة هو أن يتحول وجوده في الأسرة إلى مصدر طمأنينة، لا إلى مصدر توجيه دائم.
اترك أثراً... لا مجرد ذكرى
كلما تقدم بنا العمر، أصبح هذا السؤال أكثر أهمية: ماذا سأترك بعدي؟ ليس المقصود بيتاً أكبر، أو حساباً مصرفياً أكثر، وإنما شيئاً يبقى في حياة الناس. هل علمت أحداً؟ هل أصلحت بين متخاصمين؟ هل فتحت باباً لشاب في بداية طريقه؟ هل تركت فكرة نافعة، أو مؤسسة أقوى، أو جيلاً أكثر خبرة؟ هذه هي الأسئلة التي تمنح العمر معناه الحقيقي. وقد يصل الإنسان إلى مرحلة يكتشف فيها أن أعظم إنجازاته ليست تلك التي حققها لنفسه، وإنما تلك التي صنعها في حياة الآخرين.
في تقديري، ما بعد الستين ليس زمناً للتراجع، وإنما وقت مناسب لإعادة توزيع الخبرة، وإعطاء المجتمع خلاصة ما تعلمناه في رحلة طويلة. فالمال يمكن أن يُورث، والعقار يمكن أن يُقسم، أما الخبرة فلا تنتقل إلا إذا بادر صاحبها إلى منحها لمن بعده. ولهذا فإن أجمل مشروع يمكن أن يبدأ بعد الستين ليس مشروعاً تجارياً جديداً، وإنما مشروع لصناعة إنسان. فإذا نجح كل واحد منا في أن يترك جيلاً أفضل مما كان عليه فإن سنوات العمر الأخيرة لن تكون خاتمة الطريق، وإنما ستكون من أكثر مراحله بركة وأثراً.
* وزير الصحة الأسبق