خرجت إيران منهكة منكسرة من حربٍ ضروس مع العراق استمرت ثماني سنوات، قُتل فيها مئات الآلاف من قواتها، ودمرت أغلبية منشآتها النفطية، وحطَّمت معنويات قياداتها، لكن إيران هذه، وبعد سنوات معدودات، مُكِّنت من التغلغل والهيمنة على العراق الذي هزمها، والسيطرة على سورية الأمويين- كما يحلو لها تسميتها، وقِسم من اليمن، وعلى كل ما في لبنان، فكيف حصل هذا في سنوات معدودات؟
لابد أن هناك مَنْ مكَّن إيران من التغلغل في ديارنا، وفتح لها أبواب الهيمنة على أربع دول عربية لسنوات طوال، وحوَّلتها إلى دويلات ضعيفة فاشلة هامشية، تتحكَّم فيها ميليشيات طائفية سيطرت على قراراتها السياسية السيادية بقوة سلاحها الإيراني.
لم يكن باستطاعة إيران الهيمنة على أربع دول عربية بتلك السهولة، فهي لم تستطع الانتصار في حربها الدموية على العراق منفرداً، فكيف بها تُهيمن على أربع دول، بما فيها العراق؟ ما كان باستطاعتها التمدُّد والتنمُّر على المنطقة لو لم يُمهَّد لها الطريق، وتُفتَح لها الأبواب.
ما كان باستطاعة إيران، المنهكة إطلاقاً، بناء ترسانة هائلة من الصواريخ والمسيَّرات الممنوعة على العرب، ولا العمل على بناء مفاعلاتها، وتخصيب اليورانيوم فيها، والتي لم يُسمح للعرب حتى بالتفكير فيها.
ما كان لإيران الهيمنة على العراق لولا أميركا وبريطانيا، وما كان لها وقف انتصار وتقدُّم الجيش السوري الحُر نحو دمشق رغم البراميل المتفجرة والغازات السامة لولا تدخل روسيا بقصفها الوحشي للمدن السورية، ولولا تراجع أوباما المتعمَّد عن عقاب بشار على تخطيه خطه الأحمر بقتل السوريين بالغازات السامة. وما كان لإيران حُكم القرار اللبناني لولا الخائن حافظ الأسد، والتراخي الفرنسي والأميركي. وما كان لإيران القدرة على صد التحالف العربي عن تحريرها للحديدة من يد الحوثيين لولا التدخل الإنكليزي- الأميركي، فهما مَنْ أجهضا تحريرها.
إيران الحالية مكوَّنة من شعوب وأقوام احتُلت أراضيهم، وهم يعيشون في بلادهم مهمَّشين مغتصبة حقوقهم، منها: الأحواز العربية، والأكراد، والبلوش، والآذريون، وغيرهم، ومن السهولة، إذا أراد الغرب، أن تُعاد إيران إلى حجمها وحدودها الأصلية، فتململ هذه الشعوب وصل إلى حده.
لكن الواضح أن هناك رغبةً في المحافظة على النظام الإيراني الطائفي، فهو الفزاعة المفضَّلة لدى أميركا التي تبيض لها ذهباً خليجياً، ولإسرائيل، فهي الشوكة المؤلمة التي تشغلهم عن فلسطين، ولا نعتقد أنه من مصلحة أميركا ولا إسرائيل مجيء نظامٍ بديل مسالم وصديق للعرب يُريحنا من النظام الحالي، الذي أصبح عبئاً، أمنياً واقتصادياً حقيقياً على دول الخليج العربية تحديداً.
وإلا فهل يُعقل أن يُترك مصير العالم بيد نظامٍ مارق متهور يتحكَّم به وبميلشياته وأذرعه من دون أن يُوقفه أحد؟ هل يُعقل أن تقوم إيران بغلق ممرات مائية دولية ولا أحد يحرِّك ساكناً؟ هل إيران بتلك القوة القاهرة التي لا يستطيع العالم وقفها عند حدها؟ أم أن بقاء نظامها ووجوده بتلك الأهمية التي يُضحّى من أجله بمصالح الشعوب والأمم؟
شخصياً، أعتقد أنه بإمكان أميركا تخليصنا من الشوكة الإيرانية، والاستفادة اقتصادياً من بلادنا من دون فزاعتها ودجاجتها الإيرانية، بعقدها مع دول الخليج اتفاقيات تنموية واستثمارية طويلة المدى، تُرضينا وتُرضيها، ونكون قد ارتحنا إلى الأبد من الصداع الإيراني المزمن.