قد لا تبدأ الحرب المقبلة بإنزال قوات صينية على شواطئ تايوان، أو بتقدم الدبابات الروسية عبر دول البلطيق، بل قد تبدأ داخل مطبخك عندما تفتح الموقد فلا يخرج الغاز، أو فوق سطح منزلك حين تتوقف ألواح الطاقة الشمسية عن إنتاج الكهرباء رغم سطوع الشمس. وبعد ذلك قد تنقطع المياه، وتنتشر الانقطاعات الكهربائية، وتنهار شبكات الاتصالات، وتتوقف القطارات والموانئ والمطارات. وبحلول المساء، قد تنزلق الولايات المتحدة إلى الفوضى.

وفي صباح اليوم التالي، يعلن الرئيس أن البلاد تعرَّضت لهجوم إلكتروني هائل، وأن إصلاح شبكات الكهرباء والبنية التحتية وإعادة تشغيل الموانئ والمطارات سيستغرق أسابيع. «عندها فقط قد تبدأ المرحلة العسكرية المباشرة»، سواء بإنزال صيني في تايوان، أو تحرُّك روسي في أوروبا. ويعتقد أعداؤنا أن الولايات المتحدة، وهي تكافح لاستعادة توازنها، ستكون قد خسرت الحرب قبل أن تبدأ فعلياً.

هذا النوع من السيناريوهات هو ما يبقي مخططي وزارة الدفاع مستيقظين ليلاً.

Ad

على مدى أكثر من قرن، خاض الأميركيون حروبهم في الخارج، وكانت المحيطات توفر حاجزاً طبيعياً يحمي الداخل الأميركي. لكن التكنولوجيا بدأت تزيل هذا الحاجز. وكما يقول المراسل العسكري ويس أودونيل «ساحة المعركة تأتي إلى الداخل».

وقد حصل الأميركيون الشهر الماضي على لمحة من هذا الخطر عندما أعلن مكتب التحقيقات الفدرالي ووكالة حماية البيئة عن هجمات إلكترونية استهدفت منشآت للمياه والصرف الصحي في ولايات عدة. تمكَّن المهاجمون من تغيير كلمات المرور والتلاعب بأنظمة التحكم الرقمية. ورغم أن الأضرار كانت محدودة في معظم الحالات، فإن مستوى الاختراق الذي حققه المهاجمون يشير إلى إمكانية إحداث أضرار أكبر بكثير. ويعتقد مسؤولون أميركيون أن إيران تقف وراء هذه الهجمات، فيما يُشتبه بأن الصين وروسيا نفذتا عمليات مماثلة في السابق.

لماذا استهداف منشآت مياه صغيرة بدلاً من «البنتاغون» أو أنظمة الملاحة الجوية؟ لأنها أهداف سهلة. فمحطات المياه، مثل مصانع المواد الكيميائية وخطوط الأنابيب، تعتمد على أنظمة تحكم رقمية متصلة غالباً بالإنترنت. كما أن البلديات التي تعاني نقصاً في التمويل لا تملك عادةً خبراء أمن إلكتروني، وتعتمد على معدات وبرمجيات قديمة. وأشك في أن الهدف كان إحداث أزمة مياه شاملة، الأرجح أنهم «كانوا يتدرَّبون على شيء أكبر».

الصين تمثل التهديد الأكبر. فمنذ عهد إدارة أوباما، وهي تبحث عن نقاط ضعف في شبكات البنية التحتية الأميركية، وتقوم عقيدتها العسكرية على القدرة على تعطيل أو شل أو تدمير القدرات التشغيلية للخصم.

وفي حال نشوب حرب حول تايوان، قد تستهدف الصين شبكة الكهرباء وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية والاتصالات الأميركية، ليس فقط لإلحاق الضرر، بل لإجبار القيادة الأميركية على استنزاف مواردها داخل البلاد، وإضعاف قدرتها على إرسال القوات والأسلحة إلى منطقة الحرب.

ولم يعد الخطر إلكترونياً فقط، فقد استخدمت أوكرانيا طائرات مسيَّرة لتدمير قاذفات روسية على بُعد آلاف الأميال من حدودها. كما يمكن استهداف البنية التحتية الحيوية، وكابلات الإنترنت البحرية، والأقمار الصناعية التي أصبحت ضرورية للجيش والاقتصاد المدني. والصين وروسيا تطوران بالفعل أسلحة مضادة للأقمار الصناعية.

ولدى الصين ميزة إضافية؛ أنها تصنع جزءاً كبيراً من المعدات الرقمية التي تعتمد عليها بنيتنا التحتية. وقد اكتشف مهندسون ما يُشبه «مفاتيح قتل» في مكونات شمسية صينية الصنع، فيما تعمل مجموعة القرصنة الصينية «فولت تايفون» على زرع برمجيات خبيثة داخل الشبكات الحيوية، بما فيها أنظمة بعض الموانئ الأميركية.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة عاجزة. لا يمكن القضاء على كل تهديد، لكن الحكومة والقطاع الخاص يستطيعان تعزيز الأمن والاستعداد لأسوأ السيناريوهات، والاستمرار في التخلص من المكونات الصينية في أكثر التقنيات حساسية.

وفوق كل شيء، علينا استعادة «ثقافة الصمود». يجب أن تكون كل أسرة قادرة على الصمود بضعة أيام من دون كهرباء أو إنترنت، وأن تمتلك كل شركة خطة بديلة عندما تنطفئ الأنوار.

ففي النهاية، قد تكون قدرتنا على التعافي سريعاً من الهجوم «أفضل وسيلة لردع أعدائنا عن شنِّه أصلاً».

* جيمس ب. ميغز