لم يعد «الانشغال» في حياتنا اليومية مجرد وصف لحجم الأعمال أو كثافة الالتزامات، بل أصبح سمةً لصيقة بالإنسان المعاصر، يُعرّف بها نفسه ويقدّمها للآخرين بوصفها دليلاً على حضوره وقيمته الاجتماعية. 

فكلما شعر الإنسان أو ادعى إنه مشغول، ازداد شعوراً بالثقة والاعتراف الاجتماعي به. غير أن كثيرين يعيشون حياة تبدو مزدحمة إلى حدّ الإرهاق، بينما يظل السؤال معلقاً: هل هذا الصخب يعكس فعلاً حياة منتجة، أم مجرد حركة بلا بركة!؟

أحد الأسباب الأساسية لهذا الإحساس يعود إلى اضطراب العلاقة مع مفهوم الفراغ. فالفراغ لم يعد يُنظر إليه كمساحة لراحة طبيعية وضرورية لإعادة التوازن الذهني وترتيب الأفكار، بل كحالة نقص أو خلل ينبغي التخلص منها بسرعة. 

Ad

ومع هذا التحول، فقد الفراغ وظيفته الإيجابية، وتحول إلى عبء نفسي يُستعجل ملؤه بأي نشاط، حتى لو كان محدود الجدوى.

فمن زاوية اجتماعية مباشرة، يتنامي شكل من «الفراغ المقنّع» لدى شريحة واسعة من الشباب المعاصر، حيث تُستهلك ساعات طويلة في متابعة المباريات، والجلوس في الديوانيات والمجالس في أحاديث متكررة، إلى جانب تبادل الرسائل والشائعات عبر الوسائط الرقمية. وهي أنشطة تُنتج شعوراً دائماً بالحركة والتفاعل، لكنها لا تراكم معرفة أو تضيف قيمة حقيقية بالضرورة. اللافت أن الفرد في هذه الحالة لا يشعر بالفراغ، بل يقتنع بأنه منخرط وفاعل داخل شبكة اجتماعية نشطة.

وفي السياق، ساهمت الثقافة السائدة في تعزيز هذا التصور، من خلال ربط القيمة الذاتية بمستوى الانشغال والإنتاج المستمر. فأصبح الانشغال معياراً غير مباشر للنجاح والفاعلية، بينما يُنظر إلى التوقف أو البطء كنوع من التعطل أو الانسحاب من الحياة. ونتيجة لذلك، بات الأفراد يعيدون إنتاج الانشغال حتى في غياب الحاجة الحقيقية إليه، حفاظاً على صورة اجتماعية مقبولة.

ولا يمكن فصل هذه الحالة عن التحولات التقنية الحديثة. فالتواصل المستمر، وتدفق الرسائل، وتعدد الالتزامات الرقمية، خلق نمطاً مكثفاً من الانشغال اليومي، بل اللحظي. لم يعد الإنسان يختار الانشغال دائماً، بل أصبح الانشغال يفرض نفسه كحالة شبه دائمة تتوزع بين العمل والحياة الخاصة والعالم الرقمي.

وهكذا ساهمت وتيرة الحياة الحديثة في جعل أيامنا مجزأة إلى مجموعة مهام صغيرة وكثيرة وسريعة الوتيرة، ننتقل بينها دون توقف، دون أن نمنح أيّاً منها وقتاً كافياً لنفهمه أو نعيشه بعمق، مما خلق شعوراً بالتشتّت وبأن الوقت مزدحم ومليء، لكنه في جوهره امتلاء شكلي أكثر منه حقيقياً.

في المحصلة، يبدو الإنسان المعاصر وكأنه يعيش داخل حركة دائمة، لكنه في كثير من الأحيان يفتقد الإحساس الداخلي العميق بهذه الحياة. يتسع الفارق بين ما يفعله فعلياً وما يعيشه شعورياً، فتظهر مفارقة واضحة: ازدحام خارجي يقابله فراغ داخلي غير مرئي.

ويبقى السؤال الأهم: هل هذا الانشغال يعكس حياة مكتملة بالفعل، أم أنه مجرد شكل حديث من أشكال الهروب من مواجهة الذات ومن لحظات الصمت الضرورية لفهمها؟

* كاتب ومستشار قانوني