- كيف تكشف مراجعة كفاءة الاستثمار، ومشروع شاهين، وإصلاح الحوكمة ملامح مرحلة جديدة في القطاع النفطي الكويتي؟
على مدى أكثر من عقدين، وضعت الكويت هدف رفع الطاقة الإنتاجية المستدامة للنفط الخام إلى 4 ملايين برميل يومياً في صميم استراتيجيتها النفطية، ورصدت لتحقيقه استثمارات رأسمالية كبيرة شملت تطوير الحقول، وحفر الآبار، وإنشاء مراكز التجميع، وتوسعة مرافق الحقن والمعالجة، وتطوير النفط الثقيل والغاز الجوراسي، وتحديث البنية التحتية للإنتاج.
وتشير التقديرات التحليلية، المستندة إلى الموازنات الرأسمالية والبرامج الاستثمارية المعلنة، إلى أن الإنفاق على أنشطة المنبع خلال الفترة من 2013 - 2023 بلغ نحو 14 - 16 مليار دينار، إضافة إلى استثمارات كبيرة سبقت هذه الفترة ضمن البرنامج الاستراتيجي نفسه.
ولا خلاف على أن جانباً مهماً من هذا الإنفاق كان ضرورياً للمحافظة على سلامة المكامن والمنشآت، وتعويض التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول الناضجة، وضمان استمرارية العمليات التشغيلية.
غير أن كفاءة تخصيص رأس المال لا تُقاس بضرورة الإنفاق، بل بمدى تحقيقه للأهداف الاستراتيجية التي خُصص من أجلها، فالهدف لم يكن الحفاظ على مستويات الإنتاج القائمة، وإنما رفع الطاقة الإنتاجية المستدامة إلى 4 ملايين برميل يومياً.
وكان من المخطط بلوغ هذا المستوى بحلول عام 2020، قبل أن يُؤجل أكثر من مرة، ليصبح جزءاً من الخطط الممتدة حتى عام 2035، مع استمرار إدراجه ضمن الرؤية الطويلة الأجل حتى عام 2040.
ورغم هذا الإنفاق، بقيت الطاقة الإنتاجية المعلنة حتى عام 2026، وفق البيانات المتاحة وتعريفات الطاقة الإنتاجية المعتمدة، في حدود 3.0 - 3.2 ملايين برميل يومياً، بما يعني استمرار فجوة تقديرية تتراوح بين 800 ألف ومليون برميل يومياً مقارنة بالهدف الاستراتيجي.
وتتمثل القضية الجوهرية في أن كفاءة تخصيص رأس المال لا تُقاس بحجم الإنفاق أو بعدد المشروعات المنجزة، بل بصافي الطاقة الإنتاجية المستدامة التي أضيفت فعلياً مقارنة بالمستهدف، وكلفة تحقيقها، والزمن اللازم لذلك. ولتحقيق هذا التقييم، ينبغي الفصل بوضوح بين الإنفاق المخصص للمحافظة على الإنتاج، والإنفاق الذي عوّض التراجع الطبيعي للحقول، والاستثمارات التي استهدفت إضافة طاقة إنتاجية جديدة، مع الإفصاح عن العائد الفعلي لكل فئة من هذه الاستثمارات.
وتكشف البيانات المنشورة فجوة في الإفصاح، إذ لا تتوافر صورة مالية وتشغيلية متكاملة تربط بين الإنفاق الرأسمالي، والطاقة التي جرى الحفاظ عليها، والطاقة التي أضيفت فعلياً، وأسباب الانحراف عن المستهدفات. ومن دون هذا الربط، يصعب تقييم كفاءة تخصيص رأس المال، أو تحديد ما إذا كانت الفجوة تعود إلى تحديات جيولوجية، أو تأخيرات تنفيذية، أو انحرافات في الكلفة، أو افتراضات لم تتحقق.
وتقود هذه المراجعة إلى نتيجة أساسية: لم تكن المشكلة في محدودية التمويل، بل في الفجوة بين رأس المال المستثمر والعائد الاستراتيجي المتحقق. ومن ثم، فإن أي برنامج استثماري جديد ينبغي أن يسبقه تقييم مستقل وشامل للتجربة السابقة، حتى لا يتكرر النهج نفسه برأسمال أكبر، بل يُبنى على دروس واضحة تعظّم كفاءة الاستثمار والعائد الاقتصادي.
مشروع شاهين... التمويل لا يعوّض كفاءة تخصيص رأس المال
يمثّل مشروع شاهين نموذجاً لإعادة توظيف القيمة الاقتصادية لأصول قائمة لتمويل جزء من الاستثمارات المستقبلية، بدلاً من الاعتماد الكامل على الاقتراض السيادي أو أدوات التمويل التقليدية. ويتيح هذا النموذج تحرير جزء من رأس المال المستثمر وإعادة توجيهه نحو مشروعات الغاز، وزيادة الطاقة الإنتاجية، ومشروعات القيمة المضافة، مع احتفاظ الدولة بملكية الأصول وسيطرتها التشغيلية.
وليس هذا النموذج جديداً على المنطقة، ففي عام 2019 تبنّت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذج تسييل الأصول في قطاع الطاقة، حيث أبرمت «أدنوك» صفقات لحقوق استخدام شبكات خطوط النفط والغاز مع تحالفات استثمارية عالمية ضمت BlackRock وKKR ومستثمرين مؤسسيين آخرين، تجاوزت قيمتها الإجمالية 14 مليار دولار، مع احتفاظها بملكية الأصول وإدارتها التشغيلية.
وفي عام 2021، تبعتها المملكة العربية السعودية عندما أبرمت «أرامكو» صفقات مماثلة لحقوق استخدام شبكات خطوط النفط والغاز مع تحالفات استثمارية دولية، تجاوزت قيمتها الإجمالية 27 مليار دولار، مع استمرار ملكية الدولة للأصول وإدارتها التشغيلية.
وتؤكد هذه التجارب أن تسييل الأصول لا يعني بيعها، بل يمثّل أداة لإعادة تدوير رأس المال وتحرير السيولة، مع الحفاظ على الملكية والسيطرة التشغيلية. كما طبّقت الكويت مفهوماً مشابهاً قبل جائحة كورونا عندما استخدمت الخطوط الجوية الكويتية نموذج البيع وإعادة الاستئجار (Sale and Leaseback) لجزء من أسطولها، بما وفّر سيولة مع استمرار تشغيل الطائرات.
وتقود هذه التجارب إلى نتيجة واضحة: أدوات التمويل، بما فيها تسييل الأصول، لا تخلق قيمة اقتصادية بذاتها، وإنما توفر رأسمال يمكن إعادة توظيفه. أما القيمة الحقيقية فتتحدد بكفاءة تخصيص رأس المال، وجودة اختيار المشروعات، والانضباط في التنفيذ. وإذا كشفت التجربة الاستثمارية السابقة فجوة بين حجم الإنفاق الرأسمالي والنتائج الاستراتيجية المتحققة، فإن توفير مصادر تمويل جديدة وحده لن يضمن نتائج مختلفة ما لم تُراجع تلك التجربة وتُعالج أسباب هذه الفجوة.
ولهذا، ينبغي أن يسبق أي توسُّع في برامج التمويل تقييم مستقل للدورة الاستثمارية السابقة يجيب، بصورة موثقة، عن 4 أسئلة رئيسة:
كم بلغت الطاقة الإنتاجية المستدامة التي أضيفت فعلياً؟
ما حجم الإنفاق الذي اقتصر على المحافظة على الإنتاج وتعويض التراجع الطبيعي؟
ما تكلفة كل برميل من الطاقة الإنتاجية الجديدة؟
ما الأسباب الفنية أو التنفيذية أو المؤسسية التي أدت إلى اتساع الفجوة بين المستهدف والمتحقق؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مراجعة للماضي، بل شرطٌ لاتخاذ قرارات استثمارية أكثر كفاءة في المستقبل.
وعليه، فإن نجاح مشروع شاهين لن يُقاس بحجم التمويل الذي يوفره، بل بقدرته على رفع إنتاجية رأس المال (Capital Productivity)، وتحسين كفاءة تخصيصه (Capital Allocation Efficiency)، وتحقيق عائد استراتيجي على رأس المال (Strategic Return on Capital)، من خلال ربط كل دينار يُعاد استثماره بنتائج تشغيلية واقتصادية قابلة للقياس والإفصاح والمساءلة.
فالتحدي الحقيقي أمام القطاع النفطي الكويتي لم يعد توفير التمويل، بل تحويل رأس المال إلى قيمة اقتصادية مستدامة، لأن مستقبل القطاع لن تحدده وفرة الموارد المالية، وإنما جودة القرارات الاستثمارية التي تُتخذ بشأنها.
* باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية