إن الإمعان والتدّبر عند قراءة القرآن الكريم هو أعظم أمر ربّاني وجّه لنا ليس كمسلمين فقط، بل للناس كافة! 

ففي العديد من الآيات التي أوردت كلمات «أفلا تعقلون أو يعقلون»، «أفلا يعلمون أو يعلمون»، «أفلا يتدبرون أو يتدبرون»، «أفلا يبصرون أو يبصرون»، «أفلا يتفكرون أو يتفكرون»، وغيرها من الآيات والمعاني المماثلة، جميعها ترشدنا إلى التفكّر بكل ما جاء في القرآن، بكل أمر كبير أو صغير، راسخ أو عابر، مُحكم أو متشابه، إلهي أو كوني، متعلق بالحياة أو شؤون الخلق والمخلوقات بخصوص الوجود أو المعجزات عن قصص وعِبَر الأمم الغابرة أو الممالك البائدة أو العامرة، بشأن الغيب أو المعلوم بخصوص العلم ومعجزات الإحاطة به، أو خلق الكون ودقّة ضبط حركته وسكونه، بشأن الإيمان ومعانيه وحسناته أو الكفر وأشكاله وسيئاته، أو بخصوص الإيمان وحقائقه وخصاله وشُعبه ومكوناته وتفريعاته، عن التشريع ونظام الدولة والمجتمع والأسرة أو حياة الفرد، نعم تفكّر وتدبّر وتمعّن بكل شاردة وواردة.

ولعل ما أود أن أسطره في هذه المقالة إجمالاً جانب محدد آمل أن آتي على تفصيله يوماً ما، وهو يتعلق بما أتى في القرآن بشأن التحضر والتمدن والاستدامة، وهي ركائز محورية للحياة الإنسانية واستمراريتها في الأرض التي استُخلف فيها الإنسان وقَبِلَ حمل أمانتها بتقدير إلهي أو ظلم إنساني «للنفس»، حينما يخرج عن أوامر ربه وخالقه سبحانه وتعالى.

Ad

فالتحضر بمعنى التحوّل للحياة الحضرية بكل ما فيها من معاني التحوّل ومفرداته من حياة التنقل والهجرات والترحال والبداوة للاستقرار والحياة الحضرية بمجتمعات إنسانية مستقرة بقرى ومدن ودول وممالك، كما هي الحال بقدوم سيدنا يعقوب عليه السلام وأهله وولده لمصر، حيث مُلك يوسف عليه السلام.

وأما التمدن فهو التحوّل إلى الحياة المتجددة، تمدُّن يجاري الزمان والمكان ومتغيراته، سواء بتطوير العمران والتصنيع وتجهيز الحوائج اللازمة للحياة أو بتطوير النظام والقواعد والأجهزة، أو التحديث والتطوير للمعاملات، وتعزيز وتطوير منظومة القيم الأخلاق والعادات التي تنظّم السلوك الإنساني والتعامل البيني، ووجود محددات فردية أو مجتمعية تقيّد ذلك، ومتابعة تطور أنماط الحياة تبعاً لما يتحقق من تمدّن أو مدنية متطورة أو مبتكرة، وكل ما يلحق ذلك من معانٍ ومفردات.

وأما الاستدامة فهي في فهم أن كلاً من التحضر والتمدن والتعمير والتطوير هي حالة مستمرة، وينبغي لها أن تستمر كذلك، بل والحفاظ عليها وعلى المنجزات وبقاء المخلوقات وحفظ ثوابت نواميس الحياة، فالليل ليل والنهار نهار وما يماثلها، وصيانة الطبيعة وتركها على شكلها بتطوير لا يُحدث خللاً فيها، بل الحفاظ على الحياة بكل جوانبها الفطرية الصحيحة للإنسان والحيوان والنبات والجماد أمر في غاية الأهمية بتحقيق غاية التعمير والاستخلاف والاستمرارية للحياة والمخلوقات، وبما يحفظ سلامتها وسلامة مكوناتها، وأن ينعم الجميع، سواء مَن هو قائم آنياً أو مَن هو آتٍ تالياً، وسواء أدركناه أو علمنا عنه أو لم نعلم، فواجبنا صون ذلك والحفاظ عليه، لينعم به كل مَن يكون في الوجود والحياة.