رفعت إسرائيل مستوى التصعيد العسكري في لبنان لأربعة أهداف، أولها تثبيت السيطرة الكاملة على مناطق الخط الأصفر وتنفيذ تفجيرات وعمليات تدمير وجرف ممنهجة وكاملة لإلغاء كل أشكال الحياة وقطع الطريق على أي إمكانية لعودة الأهالي إلى أراضيهم.

 ويتمثل الهدف الثاني في توسيع نطاق الاحتلال خارج الخط الأصفر، وضم قرى جديدة إليه، مثل المنصوري، ومجدل زون، وحداثا، وبرعشيت، والتوسع أكثر باتجاه تبنين وبيت ياحون، وهذا يعني تجاوز خط الاحتلال الذي كان قائماً قبل عام 2000، في حين يتعلق الثالث بمنع أي حركة للناس في محاذاة الخط الأصفر، فبحسب كل التهديدات والتحذيرات والممارسات فإن كل ما يتحرك في محاذاة الخط الأصفر هو هدف للطيران الإسرائيلي الحربي أو المسيّر. 

أما الرابع فيتمثل في عمل إسرائيل على تكريس قواعد اشتباك جديدة، في موازاة الضغط للسيطرة على «علي الطاهر» أو دفع «حزب الله» للانسحاب منها وتسليمها للجيش اللبناني، وطالما الحزب يرفض ذلك فستلجأ إسرائيل إلى تنفيذ عمليات عسكرية موسعة وارتكاب مجازر في مناطق مختلفة من الجنوب، وهذا يعني وضع معادلة «علي الطاهر» مقابل استهداف الجنوب كله.

Ad

وفي أكثر الهجمات دموية منذ موافقة لبنان على توقيع اتفاق الإطار مع إسرائيل بوساطة الولايات المتحدة، قصفت قوات الاحتلال أمس منزلاً في بلدة ⁠أنصار الجنوبية ما أسفر عن استشهاد 7 أشخاص، بينما قُتل اثنان آخران في غارة على بلدة دير الزهراني. وأصيب 11 شخصاً في الهجمات.

ومن شأن هذا التصعيد الإسرائيلي أن يستمر استناداً إلى كل المعطيات والمؤشرات التي تصل إلى لبنان، وفي ظل عدم بروز أي عناصر ضغط جدية لمنع تل أبيب من مواصلة التصعيد، في مقابل سعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مواصلة العمليات العسكرية في الجنوب خصوصاً على أبواب الانتخابات التي سيخوضها. 

لذلك فكل التقديرات تشير إلى أن العمليات العسكرية لن تكون مرتبطة بـ «علي الطاهر» فقط، إنما ستشمل مناطق عديدة، ولا يزال التركيز قائماً على إقليم التفاح وجبل الريحان، لما تمثله هذه المناطق والتلال من أهمية عسكرية واستراتيجية. 

يأتي ذلك على وقع انسداد مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً أنه بعد يومين ستنتهي مهلة الستين يوماً التي جرى التوصل إليها في مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، وفي حال عدم الوصول إلى اتفاق على تمديد وقف النار، فذلك يعني إمكانية تجدد العمليات العسكرية في إيران، وسيشهد مضيق هرمز مجدداً تطورات عسكرية جديدة.

وذلك لا بد له أن ينعكس على الوضع اللبناني، خصوصاً في ضوء تصريح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن استمرار تواصله مع المقاتلين اللبنانيين في الجنوب وعلى الجبهة الأمامية. وحمل التصريح إشارة واضحة إلى ربط إيران لما يجري في لبنان بما يجري في المضيق، وأن التصعيد إن وقع فسيكون مشتركاً على أكثر من ساحة من «هرمز» إلى «باب المندب» إلى جنوب لبنان، وسط نقاشات جدية تجري في إيران حول كيفية التعامل مع التصعيد الإسرائيلي ضد «حزب الله»، وإذا ما كانت إيران ستتدخل لدعم الحزب وإسناده، خصوصاً في حال قرر الإسرائيليون شن العملية العسكرية للسيطرة على «علي الطاهر». 

بالنسبة إلى إيران هناك قناعة بأن أي دخول إيراني على خط المواجهة هو الذي يمكنه إعادة إنتاج قواعد اشتباك جديدة، على اعتبار أن الحزب وحده لن يكون قادراً على فرض هذه المعادلة، كما أن بعض الإيرانيين الذين يؤيدون مثل هذا الطرح يعتبرون أن واشنطن لا تريد العودة إلى الحرب والتصعيد بل تريد استكمال الحصار، بينما قد يكون خيار إيران التصعيدي هو الأفضل بالنسبة لها.

ولتجنب التصعيد يبرز طرح أميركي حول إقناع الدولة اللبنانية بتسلّم منطقة «علي الطاهر»، وبحسب ما تقول مصادر متابعة فإن عرضاً جرى تقديمه بتسليمها بالكامل للجيش اللبناني من جانب الحزب، مقابل وقف النار بعدها، لكن الحزب لا يوافق على ذلك، كما أنه يتخوف من أنه في حال جرى تسليمها للجيش اللبناني فإن الجيش الإسرائيلي سيتقدم باتجاهها ويسيطر عليها ويعمل على إخراج نظيره اللبناني منها كما فعل في مختلف بلدات ومناطق الجنوب، لذا لن يسلم الحزب «علي الطاهر». 

في المقابل يهدد الإسرائيليون بأنه في حال لم يوافق الحزب على هذا الطرح، فإنهم سينفذون عملية عسكرية محددة في المنطقة للسيطرة عليها، مؤكدين أن الحزب سيتحمل مسؤولية تبعات أي هجمات سيشنها باتجاه المواقع الإسرائيلية، ما يعني احتمال اتساع رقعة الحرب مجدداً.

وفي تفاصيل الخبر:

في أكثر العمليات دموية منذ موافقة لبنان على توقيع اتفاق الإطار مع إسرائيل بوساطة الولايات المتحدة، شنّت قوات الاحتلال، اليوم، هجوماً دامياً على قضاء النبطية، مما أسفر عن مقتل عائلة كاملة في بلدة ⁠أنصار، و2 في دير الزهراني، وإصابة 11.

واعتبر الرئيس جوزيف عون أن الهجمات الإسرائيلية تشكّل رسالة تحد واضحة للمسار التفاوضي وللجهود الأميركية الرامية إلى تطبيق الاتفاق الموقّع مع تل أبيب في 26 يونيو بواشنطن، محذّراً من تداعيات استمرار الاعتداءات على الجنوب والخروقات المتكررة لاتفاق الإطار ولعمل مجموعة التنسيق العسكرية وللقوانين الدولية بحماية المدنيين.

وحذّر رئيس الحكومة، نواف سلام، من التصعيد الإسرائيلي وما رافقه من غارات وقصف كثيف وترهيب للسكان داخل منازلهم، قائلا إنه أمر بالغ الخطورة ويقوّض مساعي تثبيت الاستقرار في الجنوب، مؤكدا أن قتلى «الغارة الإسرائيلية على بلدة أنصار السبعة ليسوا بنية تحتية عسكرية، والأطفال والنساء الذين قُتلوا فيها ليسوا أهدافاً عسكرية».

بدوره، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري عن الهجوم، إن المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل لا يقيمان وزناً لأي اتفاقات أو قوانين أو جهود ترمي إلى إنهاء الحرب والتوتر في لبنان والمنطقة. واعتبر أن الغارتين تندرجان في سياق استكمال ما وصفها بـ «حرب الإبادة» التي تواصل «آلة القتل والدمار الإسرائيلية شنّها ضد الحجر والبشر والتراث، وكل ما هو متصل بحياة الإنسان» في جنوب لبنان.

وأعلن حزب الله أن الهجمات الإسرائيلية ستُقابل بـ «ما يناسبها». وقال في بيان إن على إسرائيل «أن تفهم جيداً أن اعتداءاتها وتجاوزاتها ومحاولاتها فرض أمر واقع لا يمكن أن تستمر، وستقابَل بما يناسبها». وأضاف أن على السلطات اللبنانية «ألّا تُصر على الاستمرار في مسار المفاوضات المباشرة المذلّة وتقديم الهدايا المجانية للعدو».

وفي حين أعلن الجيش الإسرائيلي القضاء على قائد منطقة في «قوة الرضوان» في منطقة أنصار، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​ «إصابة 3 جنود إثر هجوم شنه ​حزب الله​ في المنطقة الأمنية التي تحمي المستوطنات». 

من جهة ثانية، أقر رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، اليوم، باستمرار تواصله مع مقاتلي «الصفوف الأمامية» في لبنان، في وقت تسعى الحكومة اللبنانية إلى تعزيز سيادة الدولة، وحصر قرار السلم والحرب والسلاح بيد مؤسساتها.

وأكد قاليباف، خلال اجتماع مع مثقفين إيرانيين، أنه منخرط في القضايا المتعلقة بلبنان منذ عام 1985. وقال: «كانت تربطني صداقة وعلاقة وثيقة بكل شهيد من شهداء لبنان، وما زلت حتى اليوم على تواصل مع المقاتلين في الخطوط الأمامية بلبنان»، في إشارة إلى حزب الله.

كذلك أشار إلى أن «المقاومة ولبنان أُدرجا في البند الأول من مذكرة التفاهم»، قبل أن يتحدث عن مضمون ما وصفه بالنص الأوّلي المؤلف من 15 بنداً، مضيفا أن الولايات المتحدة كانت تطالب إيران بالتخلي عن برنامجها الصاروخي والنووي و«جبهة المقاومة» ومضيق هرمز.