تصريح الشيخ نواف السعود بأن الأرباح المجمعة الصافية لمؤسسة البترول عن السنة المالية 2025/2026، بلغت 2.155 مليار دينار يذكِّرنا بتصريح مماثل عن أرباح مشابهة صدر عن مؤسسة التأمينات قبل 3 سنوات، وأثار تساؤلات وانتقادات كثيرة، لأن تصريح السعود لم يبيّن مصدر هذه الأرباح، وهل هي أرباح نقدية أم دفترية؟ وما انعكاسات الأوضاع السياسية على التصدير والصناعة النفطية بشكل دقيق؟ وهل هذه الأرباح مستمرة أم أنها لهذه السنة فقط؟ ولذلك أثيرت نقاشات كثيرة حول الموضوع بين المتخصصين وفي الديوانيات، مما يؤكد الحاجة إلى نشر بيان تفصيلي من المؤسسة حول هذه الأرباح.
إن الرقابة المالية بمفهومها الواسع لا تعني ذكر الأرقام فقط، بل تعني بيان كيفية تحقق هذه الأرقام وما كلفتها، وما إذا كانت دائمة أم مؤقتة، وأثرها الإيجابي أو السلبي على المالية العامة، وغير ذلك من البيانات والاستنتاجات التي تشكّل الدلالة الشاملة لهذه الأرقام.
ومبدأ الرقابة المالية الموسعة ينطبق أيضاً على الاحتياطي العام، واحتياطي الأجيال، إذ لم يعد يكفي ذكر الأرقام النهائية في محيطنا اليوم، الذي تكتنفه عوامل سياسية واقتصادية صعبة ومتقلبة معروفة.
والأمر نفسه ينطبق على الميزانية العامة للدولة والحساب الختامي، اللذين يجب أن تُعلن أرقامهما بتفاصيل موضوعية، مثل كميات النفط المصدّرة للخارج، والمستهلكة داخل البلاد، وقيمتها الحالية والمتوقعة مستقبلاً، وانعكاس مبالغ الإيرادات والمصروفات على استدامة الوضع المالي والاقتصادي، وما خطة الحكومة لزيادة الإيرادات النفطية وغير النفطية؟ وما السبب الحقيقي لانخفاض القوة الشرائية للمواطنين وأثره وكيفية معالجته؟ وإذا كان بند الرواتب هو أعلى بند في مصروفات الميزانية ويشكل 55 بالمئة من إجمالي المصروفات، فما خطة الدولة لتوفير فرص عمل لآلاف الخريجين الجدد في القطاع الخاص أو في الحكومة التي تعاني عجزاً مالياً منذ سنوات؟ وما خطة الدولة لتقليل العجز في الميزانية؟ لأن كثيراً من المواطنين يتخوفون من أن تكون زيادة الرسوم هي الوسيلة التي تتبناها الحكومة لمعالجة العجز، وهل ستؤدي إجراءات الحكومة الحالية إلى زيادة مشاركة القطاع الخاص في التنمية وزيادة الإيرادات، أم أنها ستزيد من معاناته؟
ويضاف إلى ذلك ما ذكره السعود، في التصريح، من أن عقد «شاهين» هو عقد استثمار، بينما هو عقد تمويل وله كلفة مالية، وفقاً لما أكده اقتصاديون معروفون.
لا شك في أن أي دولة بالعالم لا تحتاج إلى مجرد الرقابة على أرقام الميزانية فحسب، بل إلى مناقشة هذه الأرقام بأسلوب شامل وموسع ودقيق يأخذ في الاعتبار جميع الأوضاع والظروف، خصوصاً الاقتصادية المحيطة والمتوقعة في المستقبل، وانعكاسها على مستقبل البلاد وأبنائها.