كنتُ في السادسة أو السابعة من عُمري. كان المطر يهطل، وكنت أركض في فناء المنزل مع إخوتي، حتى تعثرت وسقطت، فارتطمت جبهتي بالأرض، وانفتح فيها جرح احتاج إلى جراحة.

أخذني والدي- رحمه الله- إلى قسم الطوارئ، ولم يكن طوال الطريق يحدثني عن الإبرة أو الألم، بل كان يردد بهدوء: «لا تخف... الأمور طيبة. سنذهب إلى الطبيب، سيُعالجك، ثم نعود إلى البيت لتُكمل لعبك مع إخوتك».

ما زلت أسمع تلك الكلمات وكأنها قيلت بالأمس.

Ad

وصلنا إلى الطبيب، وما زلت أذكر اسمه: الدكتور محمد. وبينما كان يخيط الجرح، لم يكن يركز على الخيط والإبرة فقط، بل كان يحدثني ويمازحني ويضحكني. مرَّت دقائق الجراحة وكأنها خمس دقائق فقط، وغادرت وأنا لا أحمل خوفاً من الطبيب، بل شعوراً بالطمأنينة.

واليوم، وبعد سنوات طويلة، أتساءل: هل كانت تلك اللحظة هي التي زرعت في داخلي أول بذرة لحلم أن أصبح طبيباً؟

لا أملك الإجابة، لكنني مؤمن بأن الكلمات والمواقف التي يعيشها الطفل تترك آثاراً قد تُرافقه مدى الحياة.

لهذا، كلما سمعت أحدهم يقول لطفل: «اسكت... لا أخلي الدكتور يعطيك إبرة!» أتذكر ذلك اليوم.

فالطفل لا يسمع أن الطبيب سيُعالجه، بل قد يفهم أن الطبيب شخص يُستدعى لمعاقبته. ومع تكرار هذه الرسالة، ترتبط صورة الطبيب في ذهنه بالخوف بدلاً من الأمان، وبالعقاب بدلاً من الرحمة.

وقد أظهرت الدراسات أن التجارب السلبية والرسائل المخيفة المرتبطة بالإبر والإجراءات الطبية تزيد من خوف الأطفال، وتقلل تعاونهم أثناء العلاج، وقد يستمر هذا الخوف سنوات طويلة، فيدفع بعضهم إلى تجنب التطعيمات أو تأخير مراجعة الطبيب.

وفي المقابل، فإن التجارب الإيجابية مع الطبيب، والكلمات المشجعة من الوالدين، والقدوة الإنسانية التي يراها الطفل في الممارسين الصحيين، تساعد على بناء الثقة، وتنمِّي احترام المهن الصحية، بل قد توقظ في داخله حلماً بأن يكون يوماً أحد أفرادها.

صحيح أنه لا توجد دراسة تثبت أن عبارة «اسكت... لا أخلي الدكتور يعطيك إبرة» تمنع الطفل من أن يصبح طبيباً في المستقبل، لكن لا يوجد أيضاً ما يدعونا إلى استخدام كلمات نعلم أنها تزرع الخوف، وتُضعف ثقته بمَنْ يفترض أن يكون مصدراً للأمان.

فكل طبيب كان يوماً طفلاً. وربما بدأ حلمه بابتسامة طبيب، أو كلمة مشجعة من أب، أو موقف إنساني لم ينسه طوال حياته.

لذلك، دعونا نراجع كلماتنا...

بدلاً من أن نقول: «اسكت... لا أخلي الدكتور يعطيك إبرة»، فلنقل: «لا تخف... الطبيب هنا ليساعدك، وربما تُصبح طبيباً يوماً ما».

قد تبدو مجرَّد كلمات، لكنها قد تُغيِّر نظرة طفل إلى مهنة نبيلة، وربما تغيِّر مستقبله كله. فالكلمات لا تربي السلوك فحسب، بل قد تصنع طبيباً.

*رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة.

قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي