«أمُّ الجَبانِ لاَ تَفْرَحُ وَلاَ تَحْزَنُ»، مثلٌ عربي قديم، ولكنه غريب وعجيب، فكيف بأم لا تفرح ولا تحزن، حتى ولو كان ابنها جباناً؟
وقد قيل الكثير عن ازدراء الجبناء واحتقارهم والتهكم عليهم، فالله سبحانه قال في الذين يؤثرون السلامة مفضلاً عليهم أصحاب الهمم والإقدام: «لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً».
أما رسولنا محمد، ﷺ، فكان دائماً ما يستعيذ بالله من الجُبن في قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ»، ووصف عليه السلام الجُبن الخالع بأنه من أشرّ الخصال، ومن أسوأ ما يصاب به الرجل، فقال: «شَرُّ مَا فِي رَجُلٍ: شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ»، والجبن الخالع هنا هو شدة الخوف الذي يخلع الفؤاد، وكان يحثّ على الشجاعة والإقدام، في قوله: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ».
وهناك أمثلة تُضرب في الجبناء، ومنها: «أَكْفَأُ مِنْ ضَبٍّ»، أو «أحرص من ضَبّ»، ويُضرب لمن يفرط في الحذَر والتخفّي في جحره تجنباً للمخاطر، فيعيش آمناً لكنه معزول بلا قيمة، ويقال أيضاً: «يَفْرَقُ مِنْ ظِلِّهِ»، أو يخاف من ظلّه، وهو وصف ساخر لمن بلغ به الجبن مداه حتى أن صاحبه يخاف من ظلّه.
وهناك قصة تبيّن ازدراء العرب للجبان، أو الرِّعْدِيد الذي يرتعد من الخوف، أو الرَّعِيد كثير الذعر، أو الخَوَّاف سريع الذعر، أو الوَجِل الممتلئ بالحذر، أو النَّكِس ضعيف القلب الذي ينكص عن المواجهة، أو الفَشِل ضعيف الهمة، أو الهَيّاب الذي يهاب من كل شيء، حتى لو كان أقرب الناس إليهم أو أعلاهم شأناً.
فقد رُوي أن الحارث بن بدر المُجاشعي، وكان من أشراف بني تميم، دخل على قومه وهم يتجهزون للخروج في إحدى الغزوات، وكان معروفاً بالتردد وحب السلامة، فلما رأى الخيل تُسرَج والسيوف تُصقَل، دخل على أمه وقال لها: يا أماه، إن الحرب كَشُوف، وإن القتلى فيها كثير، وأنا أحب أن أبقى لكِ لتسعدي بي.
فنظرت إليه أمه وكانت من نساء العرب اللاتي يُكبِرن الشجاعة والمروءة، وقالت له مقالتها التي جرت مجرى الأمثال: «يا بني، لَأن أثكَلَك وأنا أفتخر بك بين النساء أحبُّ إليَّ من أن أراك سالماً وأنت مسبّةٌ على ألسنتهن، إن أُمَّ الشجاعِ تُبكى بكبرياء، وأُمَّ الجبانِ لا تُهَنَّأُ بفرعٍ ولا تُعَزَّى ببطولة».
إلّا أن الحارث لم يستجب لنصحها وآثر القعود، والخروج إلى بادية «كاظمة الكويتية» للرعي والابتعاد عن مواطن القتال، فسَلِمَ جسمه من الجراح، لكنه قُوبل بجمود وتجاهل من قومه، فمن يومه لم يُدْعَ إلى مجلس، ولم يُستشر في أمر، ولم يُذكر له موقف، فكان وجوده كعَدمه، وعاش حياته عاراً على أمه، منبوذاً من قومه.