تحلّ الذكرى السادسة والثلاثون للغزو العراقي للكويت، ولا أزال أستغرب من بعض الحاقدين الذين لا يزالون يتباهون بأن جيش صدام استطاع أن يجتاح دولة صغيرة المساحة منبسطة السطح في ساعات. 

وما أدري أيّ شجاعة هذه أن يباغت الجار جارًا أمّنه! فالغدر أبعد ما يكون عن شيم الشجعان! وصدام لم ينتصر في معركة متكافئة، بل باغت بلدًا غلب عليه حُسن الظن بأن الخلاف السياسي مهما بلغ مبلغه لن ينقلب إلى احتلال كامل للدولة.

وصدّام مهما ظهر بمظهر القائد العظيم الذي لا يهتزّ له طرف، فهو في ميزان الشرع غادر فاجر لا يستحق الاحترام، فقد قال النبي ﷺ: «لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة».

Ad

لم تكن الكويت يومها بلا سلاح ولا جيش، فقد امتلكت منظومات دفاع جوي وأسلحة حديثة بمقاييس عصرها، ودافع أبناؤها بما أتيح لهم، على الرغم من عدم الجاهزية في الساعات الأولى، لكنّ الغدر والمباغتة والتفاوت العددي الهائل سبق فرصة التعبئة والاستعداد الكامل. وهجموا على الكويت في حين غفلة من أهلها، بعد أن قدّم صدّام الوعود والعهود والتأكيدات المتكررة للقادة العرب بأنه لن يدخل الكويت. ثم غدروا بنا وهجموا هجوم الكفار «وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَو تَغفُلُونَ عَن أَسلِحَتِكُم وَأَمتِعَتِكُم فَيَمِيلُونَ عَلَيكُم مَّيلَة وَٰحِدَة».

كان الغزو عام 1990 حين كانت قوة الجيوش تُقاس بأعداد الجنود والدبابات، أما اليوم فقد تغيّرت معايير الحرب، فالحشود المكشوفة قد تتحول إلى أهداف سهلة أمام الأقمار الاصطناعية والذخائر الدقيقة والتفوق الجوي.

ولذلك، فإن تلويح بعض السفهاء الحاقدين بتكرار حادثة الغزو على الكويت في هذا العصر، ليس تهديدًا عسكريًا بقدر ما هو استفزاز إعلامي، فالحشود التي كانت تُعد مصدر قوة قد تتحول، في غياب الغطاء الجوي، إلى أهداف سهلة تنتظر الإبادة الجماعية!

إن الكويت اليوم، في عهد صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد، حفظه الله، تتمتع بقيادة حازمة تضع أمن الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها في صدارة الأولويات.

وتجربة أغسطس 1990 لم تمرّ من غير دروس، فقد أعادت تشكيل مفهوم الأمن الوطني، وكشفت مواقع الأصدقاء والخصوم، والمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين. 

ومنذ التحرير، عملت الكويت - بهدوء - على رفع جاهزيتها العسكرية وتطوير قدراتها الدفاعية ومنظومات المراقبة والحماية الحدودية، بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة مستوى متقدمًا من الجاهزية العملياتية، سواء في رصد وإحباط محاولات التسلل برًا وبحرًا، أو في التصدي للهجمات الجوية واعتراض نسبة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأما سلاحنا الأعظم وحصننا الحصين، فهو رجاؤنا في حفظ الله ورعايته.

فالكويت يا سادة، أرض طيبة مسالمة، تبني ولا تهدم وتجمع ولا تفرّق، وتُطعم الجائع وتغيث اللهفان، وتحفر الآبار وتبني المستشفيات والمدارس، وتعالج المرضى، وتمدّ يدها إلى المحتاج لا تسأله من أي أرض أنت.

ومن كانت هذه صفاته فلن يضيعه الله أبدا.. ولذلك، لا يدعو لها بالخير إلا طيّب، ولا يتمنى لها الشر إلّا خبيث.. وهذه مفاهيم ربانية راقية ومنهج حياة كريمة، لا يفهمها الطواغيت وأتباع الطواغيت.

وما النصر إلّا من عند الله.. يُعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء.

اللهم أعزّ الكويت وشعبها وحكامها، ومَن أحبنا في الله.