«لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى»، هذا المثل العربي القديم ينطبق بدقة على القرار الأخير لوزارة التربية، الذي ينص على أن يقضي المعلم الجديد سنته الأولى في الميدان بصفة «إدارياً» قبل السماح له بممارسة التدريس، ويبدو أن الوزارة في محاولتها لتلافي الأخطاء وتجويد المخرجات، انتهت إلى قرار يثير التساؤل بين الكويتيين، فهي لم تبلغ الغاية من إعداد المعلم تربوياً، وفي الوقت ذاته عطلت طاقته عن ممارسة التدريس الفعلي مباشرة، وهذا التوجه، وإن صبغ بصبغة «التأهيل»، يضعنا أمام إجراء روتيني لا يمس جوهر الأزمة، إذ إن تحويل المعلم من مشروعٍ تعليمي طموح إلى موظف إداري مؤقت ومعلم مع وقف التنفيذ ولا يمنحه الموقف المهارات الصفية المطلوبة، بل يضعه في أروقة الروتين الإداري الممل، مما قد يؤدي إلى خمول الهمة وفقدان الشغف قبل أن تبدأ الرحلة التعليمية الحقيقية داخل الفصول.

لذلك، فإن التعويل على مثل هذه القرارات المثيرة للتساؤل يعكس هروباً من مواجهة الأزمة الحقيقية التي يتعرض لها بنيان التعليم في الكويت، فالوزارة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتبني استراتيجية شاملة للإصلاح لا تتوقف عند حدود القرارات الإدارية، بل تمتد لتصل إلى المناهج التعليمية التي تحتاج إلى تحديث جذري يواكب العصر، وعلاوة على ذلك، لا يمكن إغفال ضعف الأداء في مؤسسات إعداد المعلمين، فكلية التربية في جامعة الكويت والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب بحاجة إلى مراجعة شاملة لطرق تدريب الطلبة وتأهيلهم، فإن الحقيقة المرة التي لا يجرؤ الكثيرون على قولها هي أن الأغلبية العظمى من المنتسبين لمهنة التعليم اليوم لا يقصدونها عن شغف أو إيمان برسالتها السامية، بل يغلب أن دافعهم الوحيد هو المادة والبحث عن الأمان الوظيفي، وهو ما يحوّل التعليم إلى مجرد وظيفة روتينية لا روح فيها ولا ابتكار، ما لم يتم غربلة القبول ورفع المعايير.

ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه، يتطلب الأمر علاجاً عملياً وجراحياً يبدأ فوراً، فيجب وضع معايير صارمة للقبول في كليات التربية تعتمد على المقابلات الشخصية والاختبارات النفسية لضمان وجود الرغبة والقدرة، ولا بد من «إعادة هندسة» المناهج التدريبية بحيث يكون التدريب الميداني هو العمود الفقري لسنوات الدراسة، ويجب إدخال نظام «الحوافز المرتبطة بالأداء» بدلاً من الترقية القائمة على الأقدمية، لنجعل من التعليم ساحة للمبدعين.

Ad

* باحث أكاديمي