في المجتمعات الغربية عموماً عندما يبلغ الأبناء سن المراهقة يبدأ الآباء في حثهم على الاعتماد على أنفسهم والبحث عن عمل يوفر لهم مصروفهم اليومي، وأحياناً لإعالة أسرهم التي لا تقدر على الوفاء بالتزاماتها المالية اليومية المتزايدة. بداية ظهور هذا السلوك الاجتماعي، وخصوصاً في المجتمع الأميركي، كان بعد حقبة الكساد الكبير، الذي غيّر مسار الاقتصاد العالمي بطريقة كارثية، كانت بدايتها بعد انهيار بورصة «وول ستريت» يوم الخميس الأسود في 24 أكتوبر 1929، ثم يوم الثلاثاء الأسود في 29 أكتوبر من نفس السنة بالولايات المتحدة الأميركية وما تلاه من أحداث اقتصادية، وهي أزمة مالية عالمية حادة استمرت طوال عقد الثلاثينيات. في المجتمع الغربي لا يتدخل الآباء في الشؤون الخاصة بأبنائهم المراهقين، الذين يتركون في حال سبيلهم ليتخذوا القرار الذي يناسبهم، حتى لو لم يناسب رغبات وطموحات آبائهم. فالأبناء يختارون بأنفسهم التخصص الذي يرغبون به والمهنة التي يطمحون إليها، بل وحتى طريقة تكوين أسرهم. وعندما يصل الغربيون إلى سن التقاعد يقوم البعض منهم بإنفاق مبالغ نهاية الخدمة في شراء سيارة رياضية شبابية كان يحلم باقتنائها في شبابه. ومن «شيبانهم» من يقوم بالاتفاق مع زوجته العجوز ببيع منزل العمر، الذي قضيا فيه أحلى سنوات عمرهم، لينفقا من إيرادات البيع إما لشراء شقة صغيرة لقضاء ما تبقى من عمرهم، أو على سفرة حول العالم، ليزورا بلداناً لم يكن بمقدورهم أن يزوروها أيام الشباب، إما بسبب قلة المال أو بسبب انشغالهم في مهنهم لتأمين عيش كريم لأسرهم. وغالبية بيوت الغربيين المباعة لا تحتوي على غرف غير مسكونة ولا حمامات زائدة عن الحاجة، كما هو حالنا نحن الشرقيين في الخليج. فالغربيون يكتفون بإنجاب ولد واحد أو اثنين، فيفكرون بتأسيس بيت صغير لأسرهم الصغيرة وكفاهم الله شر القتال المعيشي، كما إنهم لا يفكرون في توريث ممتلكاتهم للأبناء، الذين أحياناً قد يرمون بآبائهم في دار العجزة؟ هذا بالنسبة للحالة الأسرية العامة في المجتمعات الغربية، أما الوضع في المجتمع الشرقي، فهو بشكل عام، مختلف تماماً، وعلى النقيض من المجتمعات الأميركية والأوروبية. فغالب الآباء من الخليجيين يستمرون في الإنفاق على الأبناء حتى إنهائهم المرحلة الجامعية وكأنهم عالة على أسرهم، وبعدها تبدأ رحلة الأبناء في البحث عن وظيفة للاعتماد على أنفسهم والبدء بمسيرتهم المهنية. وهنا أتكلم عن عامة الكويتيين، فالغالب منا يبالغ بالإنجاب حتى لو كانت أحواله المادية تعيسة و(مش ولا بد)، ويبالغ في بناء بيت كبير يكفي لإسكان حي بأكمله، متعذراً بإسكان أبنائه مستقبلاً، لحمايتهم من تكاليف التأجير، ولهذا السبب يقضي بقية عمره في سداد قروض تراكمت على ظهره بسبب بناء قصر سوف تسكنه الأشباح. وعندما يتزوج الأبناء نعرف أنهم سيتركون البيت (العود) المكون من عشر غرف وعشرة حمامات أنفق الآباء (شقى عمرهم) من أجل إسكان الأبناء، الذين يستقلون بسكنهم بعيداً عن أسرهم. ويستمر هذا السلوك حتى عند شراء عقار خارج الكويت، إذ يحرص كثير من الآباء على شراء عقار يتسع لكل أفراد الأسرة، ورغم ذلك لا يرى الآباء من أبنائهم حولهم في الخارج إلا فيما ندر، وكأنهم (فسفسوا بحلال الورثة) دون تخطيط. 

وللحديث عن المتقاعدين.. بقية...

Ad