تمرد المواطن «كاف» على كاتبه ووليّ أمره المدعو المواطن «س. ب»، واتهمه بجرائم شتّى. ومن شدّة غضب الكاتب عاقبه بالامتناع عن روي مغامراته الأسبوع الماضي، وانهمك في إعداد دفاعه للردّ على التهم الموجهة إليه.

فوقف المواطن «س. ب» أمام هيئة المحكمة وقال:

«حضرة القاضي، لم يكن في حسباني يوماً أن أجد نفسي مُتهماً من قِبل المواطن «كاف»، الشخصية التي صنعتها بنفسي، لكن الأيام دوارة والزمن غريب، فلنضع الأمور في نصابها.

Ad

منذ ولادته في ذهني، منحته كل أدوات الحياة الكريمة. فـ «كاف» المشوّه الذي ترونه أمامكم اليوم كان حينها كامل الملامح، حسن الهيئة، نبيه العقل، يملك أسناناً كاملة وعشرة أصابع.

قضيت أياماً وليالي في تعليمه وتأديبه، ونمّيت فيه حب الاستكشاف بالسفر، وكلّفته بمشروعٍ وطني في غاية الأهمية تحت عنوان: «حِيَل علاج علل البلاد والعباد». لكنه، بحكم بلادته وغبائه، لم يفلح إلا في الإساءة إلى جميع دول الجوار. فندمت على السماح له بالسفر وقررت سحب جوازه وإبقاءه في محيطه، لعلّه يستقيم.

أسكنته منزلاً قائماً على المحبة والكرم، فقام بتقسيمه بأسوارٍ عازلة، ثم حفر فيه أنفاقاً ومخابئ ليمزق وحدة البيت، ثم قدّم أخاه «لام» قرباناً للصهاينة، وبالنهاية قطّع أصابع والدته دون رحمة.

ورغم أنني سمحت له أن يذوق شهد الحـ(و)ـرية، استهان بها وحاول أن يغويها ويمتطيها لأنه وضيعٌ قليل أدب. وبقيت صبوراً، أتحمّله بصبر أيوب، وسعيت إلى توظيفه في القطاع العام، لعلّه يفيد بلاده، وسرعان ما تعلّم ألاعيب الفساد الإداري، وبدأ يسلب موارد الدولة، مٌلفقاً قصصاً كاذبة عن شركاء وهميين، ومُلطخاً صيت «المداااام» — بيّض الله وجهها — حتى تحوّل إلى مجرمٍ دولي.

ورغم هذا كله، ولكوني ودوداً مرهفاً، وهبته قصة حب من الطراز الرفيع مع طبيبة أسنان، متعلّمة، دارسة وفاهمة. فماذا فعل هذا المعتوه؟ أساء لعائلتها وطعن في نسب الخيول الأصيلة، وضحى بأسنانه إرضاءً لرغباته. 

نجح «كاف» في أمرٍ يتيم: سوء استعمال الحـ(و)ـرية التي مُنحت له، ونكران الجميل الذي رُزق به، فبدل أن يبوس يد ولي أمره، تمرد عليه. والدليل وقوفي أمامكم في مرمى الاتهام.

فإن كنت مذنباً فذنبي من الصغائر: أنني أحسنت به الظن. أمّا ما ارتكبه هو من خطايا فمن الكبائر.

وعليه، حضرة القاضي، وبما أنني محوت ملفه من قلبي، وقانوني على هواي، أطالبكم بتوثيق قراري بسحب لقب «المواطن» من «كاف»، واستبدالها بنعتٍ أوقع وألبق: «كاف حاف»، فقد برئتُ منه».

وهنا قفز «كاف» من مكانه، ومن دون استئذان القاضي، أخذ يصرخ:

«تتبرّأ منّي بكلمتين؟ أتظنّ أنك ستتخلّص منّي بهذه السهولة، أيها الغدّار الكذوب؟ أين أذهب؟ وكيف أعيش؟ ليس لي غيرك، وليس لك غيري.

ربما تظنّني وحيداً لأنك جعلتني وحيداً، لكنك لا تعلم أنني معيلٌ لأولادٍ كثر، ولي من الأتباع أعدادٌ لا تُعدّ ولا تُحصى. نعم يا كاتبي، المواطن «كاف» ليس فرداً... المواطن «كاف» جمعٌ غفير. وسنطاردك في قيامك ومنامك لتنهمر عليك دعواتنا بهلاكك المحتوم. وإن لم أجعلك تقصّ أصابعك من شدّة الندم، فوالله إنني لست المواطن «كاف»!».

شمّر الكاتب عن ساعديه - وأمسك بنعاله - ليرد على وطوطة «كاف»، إلا أن القاضي رفع الجلسة أسبوعاً كاملاً، الأمر الذي -ولحسن حظنا - يتزامن تماماً مع موعد مقالة الحلقة الأخيرة.