لم أكن أتوقع أن تبدأ قصة إحدى أكثر سيارات الدفع الرباعي انتظاراً في الشرق الأوسط بهذا القدر من الهدوء والهيبة، فبعد رحلة طيران طويلة، وجدتُ نفسي في قلب مدينة «تشانغشو» الصينية، أقف داخل قاعة التجميع النهائي بمصنع «تشيري جاكوار لاند روفر».

في الثلاثين من يوليو 2026، كنتُ شاهدةً على لحظة تاريخية: خروج أول سيارة فريلاندر 8 (Freelander 8) رسمياً من خط الإنتاج. لم يكن المشهد مجرد حدث صناعي عابر، بل كان إعلاناً عن العودة القوية لعلامة بريطانية فاخرة ومستقلة، علامة ارتبطت بأذهاننا منذ إطلاقها الأول عام 1997 عندما تصدّرت مبيعات أوروبا لخمس سنوات متتالية، وها هي اليوم تُبعث بروح جديدة وتقنيات كهربائية وذكية متطورة.

تحالف بريطاني - صيني: تصميم مستوحى من قصر وندسور وتقنيات مستقبلية

Ad

تأتي «فريلاندر» اليوم كعلامة تجارية بريطانية فاخرة قائمة بذاتها في فئة السيارات الرياضية متعددة الاستخدامات (SUV) الذكية والقادرة على قهر جميع التضاريس. وقد وُلد هذا المشروع عبر شراكة استراتيجية تجمع بين جاكوار لاند روفر (JLR) وشركة تشيري (Chery).

تتولى «جاكوار لاند روفر» قيادة لمسات التصميم البريطاني الفاخر تحت إشراف مصممها الشهير فيل سيمونز (Phil Simmons). ويستحضر التصميم الخارجي لغة معمارية صلبة تُدعى «قلعة صلبة القاعدة، خفيفة القمة» والمستوحاة من قلعة وندسور التاريخية. يتجلى ذلك في الشبك الأمامي ثلاثي الطبقات والمصابيح المتشابكة التي تمنح إضاءة فائقة السطوع تصل إلى 5000 وحدة (نيت) — أي أعلى بنسبة 20% من المعايير القياسية في القطاع.

وفي المقابل، تسهم «تشيري» ببراعتها التقنية، وسلسلة إمدادها العالمية، مما يضمن سيارة تجمع بين الفخامة الأوروبية والذكاء الرقمي الآسيوي.

داخل «المصنع الخارق»: رقصة متناغمة بين 1.100 روبوت والحرفية البشرية

وصف «مصنع» لا يفي هذا الصرح الصناعي حقه، فما رأيته في مدينة تشانغشو أقرب إلى «مدينة ذكية» مكرّسة لصناعة السيارات. يُعد هذا المكان أول قاعدة تصنيع كاملة لـ «جاكوار لاند روفر» خارج المملكة المتحدة باستثمار تجاوز 3.1 مليارات دولار، يُضاف إليه ضخ 440 مليون دولار مؤخراً لتحديث نظام التصنيع الذكي المخصص لسيارات الطاقة الجديدة، لِيُعرف اليوم بـ «مصنع فريلاندر الخارق».

تتحرك داخل هذا المصنع أكثر من 1.100 آلة روبوتية بتناغم يشبه رقصة أوركسترا مضبوطة بدقة متناهية، حيث تضم ورشة الهيكل وحدها 1.054 روبوتاً تحقق نسبة أتمتة كاملة 100%، بينما تعمل ورشة التشكيل بأتمتة تصل إلى 90%.

ورغم الشرر المتطاير والأذرع العملاقة التي ترفع الهياكل بثقة، كان أكثر ما لفت انتباهي هو العنصر البشري. يعمل المهندسون والفنيون جنباً إلى جنب مع الآلات، يراقبون الفروق الدقيقة التي تُقاس بأجزاء من المليمتر، ويركبون التفاصيل الداخلية بعناية تذكرك بصناعة الأثاث الفاخر. التقنية هنا لا تلغي الحرفية، بل تتكامل معها.

اختبارات لا ترحم وبصمة بيئية خضراء

قبل أن تُغادر أي سيارة فريلاندر 8 أرض المصنع تخضع لمرور إجباري عبر حقل اختبارات صارم لا يترك مجالا للمصادفة:

محاكاة العواصف: اختبار محاكاة الأمطار يعرّض السيارة لتدفق مائي يفوق شدة العواصف الرعدية الطبيعية بـ 4 أضعاف.

فحوصات السلامة: معايرة المصابيح، ضبط أنظمة القيادة، وفحص إحكام غلق حزمة البطارية عالية الجهد لمنع أي تسريب.

اختبار الدينامومتر: للتأكد من زوايا العجلات والأداء الميكانيكي تحت ظروف قيادة شاقة.

أما على الصعيد البيئي فتعتمد ورشة الطلاء تقنية الطلاء المائي الصديق للبيئة بنسبة إعادة تدوير هواء تصل إلى 95%، وانبعاثات كربونية متدنية لا تتجاوز 0.35 طن من CO2 لكل سيارة، مما يجعلها إنجازاً هندسياً خضراً بامتياز.

تقنيات رقمية وقدرات ميدانية لا تُقهر

تعتبر فريلاندر 8 حاسوباً خارقاً يسير على أربع عجلات، حيث جُهزت بـ:

معالج متطور: رقاقة Qualcomm Snapdragon 8295P المتقدمة لقيادة الشاشات والأنظمة الترفيهية بسلاسة مطلقة.

قيادة شبه ذاتية: نظام مساعدة القيادة من المستوى $L2+$، مع نظام «صف السيارات الذكي الفائق» (SIVP).

نظام الطرق الوعرة (i-ATS): نظام ذكي لجميع التضاريس يتيح 9 أوضاع قيادة تتكيف تلقائياً مع التضاريس (رمال، صخور، ثلوج)، إضافة إلى ميزة «الدوران بالمكان» (Tank Turn)، ونظام التحكم بالزحف والهبوط من المنحدرات.

المحطة القادمة: أبوظبي والشرق الأوسط

خلال فعاليات «مهرجان غودوود للسرعة» (Goodwood Festival of Speed) لعام 2026، أعلنت العلامة رسمياً أن دولة الإمارات العربية المتحدة ستكون أول سوق دولي يستقبل «فريلاندر 8»، على أن يُقام حفل الإطلاق الرسمي للسيارة في العاصمة أبوظبي خلال سبتمبر المقبل.

وتأتي هذه الخطوة كبداية لاستراتيجية توسع عالمية طموحة تستهدف دخول أكثر من 90 دولة وإنشاء 1.100 نقطة تواصل خلال السنوات الخمس القادمة، مدعومة بـ17 شركة تابعة لمجموعة «شيري إنترناشونال» و11 معهد أبحاث عالمياً.

الانطباع الأخير

بحلول الوقت الذي غادرتُ فيه المصنع، لم تعد «فريلاندر 8» في نظري مجرد سيارة جديدة في النشرات الإخبارية، بل رأيتها كحصيلة آلاف القرارات الهندسيّة الدقيقة التي شاركت فيها العقول البشرية والذكاء الآلي. وحين جلستُ خلف مقودها لاحقاً في تجربة قيادة قصيرة على حلبة المصنع، شعرتُ بأني لا أقود سيارة دفع رباعي متطورة فحسب، بل أشهد بداية فصل جديد لعلامة بريطانية أسطورية تُعيد تعريف الفخامة والمغامرة في شوارعنا العربية.