منذ تأسيس رابطة الأدباء الكويتيين في نوفمبر 1964م، لم تكن مجرَّد إطارٍ يجمع أهل الأدب والثقافة في الكويت، بل تحوَّلت إلى فضاء عربي رحب للحوار والتفاعل، وأسهمت في مد جسور التواصل بين المثقفين والأدباء العرب، وفي مقدمتهم نظراؤهم الجزائريون، إذ بادرت الجزائر بعد استقلالها إلى تأسيس اتحاد الكُتَّاب الجزائريين في 28 أكتوبر 1963م، بمشاركة نُخبة من أعلام الفكر والأدب، من بينهم: أحمد طالب الإبراهيمي، ومفدي زكرياء، ومولود معمري، ومحمد العيد آل خليفة، ومالك حداد، وأحمد توفيق المدني وغيرهم.
ورغم أن الحضور الثقافي المتبادل بين الجزائر والكويت ظل محدوداً خلال العقود الأولى التي أعقبت الاستقلال، فإن السنوات اللاحقة، لا سيما منذ بداية الألفية الثالثة، شهدت حراكاً ثقافياً متنامياً، جسَّدته الندوات والملتقيات والزيارات والتكريمات، وأكدت أن ما يجمع البلدين يتجاوز العلاقات السياسية والاقتصادية إلى روابط إنسانية وثقافية عميقة.
وفي هذا السياق، نظمت سفارة الكويت بالجزائر في 14 فبراير 2017م أمسية أدبية بعنوان: «تاريخ الثقافة بالكويت»، بحضور وزير الثقافة الجزائري، آنذاك، عزالدين ميهوبي، وسفير الكويت محمد الشبو، وعدد من الأدباء والمثقفين والإعلاميين من البلدين. وقد شكَّلت هذه المناسبة احتفاءً بالثقافة الكويتية ودورها في المشهد العربي، حيث ثمَّن عزالدين ميهوبي المكانة التي احتلتها الكويت بوصفها منارة للثقافة العربية، أنجبت أجيالاً من الأدباء والمفكرين والمبدعين في مختلف مجالات المعرفة والفنون.
وتعزز هذا التواصل في مارس 2018م، بإقامة توأمة ثقافية بين اتحاد الكُتَّاب الجزائريين ورابطة الأدباء الكويتيين، على هامش مؤتمر أدب الطفل الذي احتضنته مدينة بسكرة تحت شعار «أدب الطفل أغنية للحياة». وشارك الوفد الكويتي في فعاليات المؤتمر بمداخلات تناولت تجربة أدب الطفل في الكويت، مقدِّماً نماذج من تطورها ورؤاها المستقبلية. وقد أكد هذا اللقاء أهمية الحوار الثقافي وتبادل الخبرات، ورسَّخ العلاقات الأخوية بين المثقفين في البلدين.
وفي المقابل بالكويت، احتفت رابطة الأدباء الكويتيين بالثورة الجزائرية من خلال ندوة «الجزائر في الذاكرة الكويتية» في نوفمبر 2018م، بحضور السفير الجزائري عبدالحميد العبداوي ونُخبة من المثقفين والدبلوماسيين. واستحضرت الندوة صفحات مشرقة من الدعم الكويتي للثورة الجزائرية؛ سياسياً، وإعلامياً، ومالياً، وشعبياً. كما تناولت تاريخ المقاومة الجزائرية، وأبرزت الدور الأدبي للشاعر مفدي زكرياء، الذي جعل من الشعر صوتاً للثورة وذاكرة للنضال الوطني.
وإذا كانت اللقاءات والندوات قد صنعت جسور التواصل المباشر، فإن مجلة «البيان» الكويتية، هي الأخرى، كانت جسراً ثقافياً دائماً بين البلدين، فمنذ سبعينيات القرن الماضي فتحت صفحاتها أمام نُخبة من الأدباء والباحثين الجزائريين، من أمثال: عبدالحميد بن هدوقة، ومالك حداد، وعبدالمالك مرتاض، ومحمد الأخضر السائحي، وبلقاسم خمار، وعمر البرناوي، ومحمد الصالح الصديق وغيرهم، فعرَّفت القارئ العربي بجوانب من ثراء الأدب الجزائري وتنوعه، كما واكبت الحراك الثقافي الجزائري، واحتفت برموزه وإصداراته، وخصصت أعداداً لإسهامات أدبائه، من بينها العدد 154 الصادر في يناير 1979م.
وبناءً على مظاهر هذا التواصل الثقافي، فإنني أجد رابطة الأدباء الكويتيين ومجلة «البيان» كانتا من أكثر المؤسسات الثقافية التي بنت وعززت جسور التواصل بين الجزائر والكويت، حيث كانتا فضاء للقاء والتعارف والحوار، ومنبراً أسهم في تقريب المسافات بين الجزائر والكويت، وأثبتتا أن الثقافة قادرة على أن تكون جسراً متيناً للمحبة، وحافظة للذاكرة، وقوة ناعمة لتوحيد الوجدان العربي وصناعة مستقبل يقوم على المعرفة والإبداع والانفتاح.