لا أخفي سعادتي الغامرة وأنا أتابع الأخبار القادمة من مكة المكرمة في السابع من أغسطس الجاري، بإعلان اتفاق حلف مكة بين السعودية وتركيا وباكستان. وتكمن سعادتي في أن تلك الأمنية قد ناشدت هذه الدول الإسراع في تحقيقها منذ عشرين شهراً تقريباً، وقد أرسلت إليَّ شخصية وطنية مرموقة وعزيزة مهنئة إياي بتحقق مناشدتي، وهي مناسبة للمباركة لجميع أبناء منطقتنا وإقليمنا ممن يأملون مستقبلاً أفضل لمنطقتنا أساسه الاستقرار والازدهار بقدراتنا الذاتية، وهو ما نراه متجسداً في «إعلان مكة».
فخلافاً لمعظم التوجهات، أرى أننا نعيش في إقليم به قوتان إقليميتان عدوانيتان وتوسعيتان، وهما قوتان ماردتان ومتمردتان على قواعد القانون الدولي والقواعد الإنسانية النبيلة، وتبطنان لدولنا الشر والأذية والدمار، وهو ما سطره تاريخ كل منهما: إيران على مدى ٤٨ عاماً والكيان الصهيوني منذ ٧٨ عاماً.
ولذا أرى أن ما ينفع في مواجهتنا القادمة معهما، متى ما فُرضت علينا، هو الردع بالرد الميداني المباشر، فالعين بالعين، والأنف بالأنف، والصاروخ بالصاروخ، بل وبالطيران والقدرات الأخرى المتقدمة، إذ لا ينفع معهما التلويح والشجب والإدانة، بل ولا حتى التحالف والقوة الضاربة الإقليمية المجردة! ما لم يتبع ذلك رد ميداني مباشر يوقع الألم والخسائر ويوقف التسلط والعدوانية التي هي سلوك وعقيدة كلا الكيانين.
ولا يجوز أن نغفل اليوم حقيقة أننا في عالم لا يحترم ولا يقدر إلا القوة والأقوياء، فلم تعد المنظمات الدولية ولا أجهزتها المختلفة كافية منفردة لحفظ الأمن والسلام الدوليين، وفرض الاستقرار والازدهار في أي إقليم بالعالم، فقد تحوّلت تلك المنظمات وأجهزتها إلى منصات وهياكل للإدانة والشجب، وورقة بيد الأقوياء لتوظيفها عند اللزوم، بل ثبت بالواقع الفعلي أن تجاهل قراراتها وإجراءاتها هو ما تسير عليه الدول التي تركن للقوة وفرض الواقع في عدوانها، وخصوصاً أن الكيانين العدوانيين في منطقتنا، وهما الكيان الصهيوني وإيران، بسلوكياتهما العدوانية منذ ٧٨ عاماً، و٤٨ عاماً، لم يردعهما قانون دولي ولا منظمات دولية رغم عشرات بل ربما مئات القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية! فما ينفع مع هذين الكيانين هو لغة القوة الرادعة والرد المباشر بالقوة وفرض الإرادة عليهما.
وقد كشفت المواجهة بينهما في يونيو ٢٠٢٥ وفبراير ٢٠٢٦ أن تلك المواجهة لم تتوقف بينهما إلا لكون كليهما استخدم قوة الردع بالرد المباشر تجاه الآخر، الأمر الذي أوقف المواجهة بينهما، وهو سبب ردع كل منهما للآخر، فقوة الردع بالرد والفعل المباشر هي أداة الردع في عالم اليوم.
وعليه، فإن سعادتنا وترحيبنا «بإعلان مكة» والتحالف الثلاثي الضارب المتمخض عنه، بل وبإبقائه الباب مفتوحاً لانضمام أطراف أخرى إليه، يعكسان ما كنت متحمساً له وأطالب به وبالإسراع في تكوينه، وهو ما تم اليوم، فللدول الثلاث، كل في مكانها، كل تقدير ومحبة وشكر على إقامة هذا التحالف بإعلان مكة، أقدس البقاع للمسلمين بما تحمله من مكانة ورمزية ومرجعية.
وأعيد تكرار مناشدتي ومطالبتي بأن تنضم وتلتحق بإعلان مكة وتحالفه دول مجلس التعاون الخليجي الباقية ومصر وسورية والأردن، ليصبح الإقليم برمته عضواً في هذا الإعلان المفصلي، لوضع حدٍّ للتحديات الإقليمية وتعزيز حالة الردع الفعلي في مواجهة الكيانين العدوانيين المارقين، ومن يساندهما من أذرع وأدوات تحاول النيل من استقرار المنطقة ودولها، أو أي محاولة منهما للتوسع بعدوان وطغيان متعجرف ومستمر.
فهذا التحالف هو ما يعيد التوازن للإقليم ويثبّت بنيته ومكوناته، ويقضي على أحلام تقاسم النفوذ فيه بين الكيانين العدوانيين، ويعيد رسم خريطة الإقليم بوضعه الطبيعي القويم، بتحجيم الكيانين وربما إنهاء وجودهما إن لزم الأمر، بعد فشل التحالفات التقليدية في تحقيق الردع والاستقرار، ليكون «إعلان مكة» ميلاداً لتحالف الاستقرار والازدهار والردع العملي القادر على الرد المباشر والقضاء على مصدر العدوان وتهديد وزعزعة أمن الإقليم واستقرار منطقتنا.
لذا، نبارك «إعلان مكة» وندعو إلى توسعه بانضمام بقية دولنا إليه والتحاقها به.