وسط تقارير تتحدث عن تزايد الإحباط مع تضاؤل فرص البحث عن ناجين، بسبب سوء الأحوال الجوية، وصعوبة وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المدمرة جراء الزلزال، الذي ضرب طرفي الحدود التركية السورية، الاثنين الماضي، وخلف دمارا هائلا ومأساة إنسانية ترجح تقديرات بأنها ستكون واحدة من أكبر 15 كارثة شهدها العالم منذ قرن، بدت بوادر حلحلة دولية باتجاه مساعدة حكومة دمشق الخاضعة لعقوبات غربية أمس.

وغداة دعوة الأمم المتحدة إلى «وضع السياسة جانبا»، وتسهيل إيصال المساعدات إلى المناطق المنكوبة بفعل الزلزال، نشرت السفارة الأميركية في سورية «حقائق عن استجابة الولايات المتحدة للزلزال»، الذي ضرب مناطق عدة بعضها يخضع لسيطرة الفصائل المسلحة، وبعضها يخضع لحكومة دمشق. وقالت السفارة، عبر «تويتر»، «لا تستهدف برامج عقوباتنا المساعدات الإنسانية، وتسمح بالأنشطة الداعمة لتلك المساعدات، بما في ذلك بالمناطق التي يسيطر عليها النظام. الولايات المتحدة ملتزمة بتوفير المساعدات الفورية والمنقذة للحياة، لمساعدة المجتمعات المتضررة على التعافي من هذه الكارثة».

Ad

ونقلت السفارة، عن وزارة الخارجية الأميركية قولها إن «كل المناطق السورية مؤهلة لتلقي المساعدات الإنسانية الأميركية بناء على تقييم الاحتياجات. وبينما توجد العديد من العقبات التي يجب التغلب عليها، خاصة بعد الزلازل المدمرة، فإن سياستنا لفرض عقوبات على سورية ليست من بينها»، مضيفة أن الدفاع المدني السوري «الخوذ البيضاء»، الذي يعمل بمناطق سيطرة المعارضة المسلحة، «شريك للوكالة الأميركية للتنمية الدولية منذ وقت طويل». وجاءت إشارة السفارة إلى انفتاح واشنطن على تقديم المساعدات في مناطق سيطرة حكومة الرئيس بشار الأسد، الخاضع لعقوبات أميركية بموجب «قانون قيصر»، بعد ساعات من نفي وزير الخارجية أنطوني بلينكن علمه بوجود «أي اتصالات أميركية مع الحكومة السورية بعد الزلزال».

في موازاة ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، فرانسوا ديلما، إن النهج السياسي الذي تتبعه بلاده تجاه الحكومة السورية لن يتغير، مضيفا أن المساعدات المقدمة لسورية بعد الزلزال ستكون عبر المنظمات غير الحكومية وآلية الأمم المتحدة، متابعا: «نهجنا السياسي لم يتغير، ونعمل لمصلحة الشعب السوري بخلاف بشار الأسد».

وفي وقت يبدو أن جهود دمشق لفك عزلتها السياسية على الساحة الغربية تصطدم بحائط مسدود، تلقى الرئيس السوري سيل اتصالات ومساعدات من قادة دول عربية، في تضامن قد يجد فيه فرصة لتسريع عملية إعادة علاقاته المقطوعة مع محيطه الإقليمي.

ورأى محللون أن «المأساة المروعة التي عصفت بسورية وتركيا فرصة واضحة للأسد من أجل محاولة دفع عملية تطبيع نظامه مع بقية العالم العربي، والتي إن كانت تسير ببطء لكنها تتقدم».

وسارع قادة وملوك دول عربية عدة إلى التواصل مع الأسد، وإبداء تضامنهم مع محنة الشعب السوري، الذي أنهكته سنوات الحرب الطويلة، قبل أن تحط طائرات المساعدات تباعا في مطارات دمشق وحلب واللاذقية.

وإلى جانب حلفائه التقليديين، تلقى الأسد اتصالات هاتفية، هي الأولى من نوعها، من نظيره المصري عبدالفتاح السيسي والجزائري عبدالمجيد تبون وملك البحرين حمد بن عيسى، للتعزية والتضامن.

كما أوفد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني نجيب ميقاتي وفدا وزاريا هو الأول من نوعه إلى الأسد، عرض استعداد لبنان لفتح مطاراته وموانئه لاستقبال مساعدات ترد إلى سورية من أي دولة أو جهة.

وتعهدت السعودية، التي قطعت علاقاتها مع نظام الأسد عام 2012، وقدمت دعما بارزا للمعارضة في مراحل النزاع الأولى، بتقديم مساعدات إلى مناطق متضررة، تتضمن مناطق تحت سيطرة القوات الحكومية.

وقال مصدر في مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية إن المساعدات سترسل مباشرة إلى مطار حلب الدولي، وإلى «الهلال الأحمر» السوري ومقره في دمشق، مؤكدا أنه ما من قنوات تواصل مباشر مع الحكومة السورية.

وبدأت قطر، التي قدمت دعما لفصائل مسلحة معارضة للأسد، تقديم مساعدات تشمل البلدين المنكوبين، كما أطلقت الإمارات وعمان، بشكل منفصل، جسرا جويا لإغاثة دمشق وأنقرة، وأوعز الرئيس الإماراتي محمد بن زايد بإقامة صلاة الغائب على أرواح الضحايا اليوم بعد صلاة الجمعة بجميع مساجدها.

ووسط تعقيدات على عدة مستويات بشأن الأطراف والجهات المخولة بإيصال المساعدات الضرورية والملحة إلى المنطقة المتهالكة بفعل الحرب والعقوبات، حذر قيادي إعلامي ب«الحشد الشعبي» العراقي يدعى مهند العقابي من قيام الولايات المتحدة بعرقلة قوافل إغاثة إلى سورية حركتها الهيئة التي تضم فصائل مسلحة مرتبطة بإيران.

في هذه الأثناء، دخلت أول قافلة تابعة للأمم المتحدة تحمل مساعدات إنسانية للسوريين المتضررين من الزلزال عبر منفذ «باب الهوى» التركي، أمس، لكن «الخوذ البيضاء» ذكرت أن المساعدات الأممية دورية، ولا تتضمن آليات وأدوات استكشاف للمساعدة في عمليات الإنقاذ التي تتم بإمكانية متواضعة جدا، وتخطى عدد ضحايا الزلزال الذي ضرب محافظات إدلب وحماة وحلب واللاذقية 3300، أمس، وهي أرقام أعلنتها وزارة الصحة السورية وفرق الإنقاذ في الشمال السوري.

وفي حين لا يزال الآلاف من أبناء الشمال السوري يصارعون من أجل حياتهم تحت الأنقاض، بدأ أهالي قرية التلول في منطقة حارم بمحافظة إدلب النزوح، بعد تدفق مياه نهر العاصي بسبب تصدعات في سد التلول بسبب الزلزال.

أما في تركيا فقد تخطى عدد الضحايا 14 ألفا والإصابات 63 ألفا و794، بينما تستمر عمليات الإنقاذ ورفع الأنقاض في ظروف صعبة.

وتجاوزت أعداد قتلى الزلزال، الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سورية، الاثنين، 17100 قتيل ليقترب بذلك من رقم ضحايا زلزال 1999، فيما تتلاشى الآمال في العثور على ناجين بعد 72 ساعة من وقوع الكارثة، التي توقعت منظمة ألمانية أن تكون قد تسببت في مقتل نحو 84 ألفا بالبلدين، بعد رفع الأنقاض بالمناطق والأحياء المدمرة.

وأمس الأول، وجه زعماء الاتحاد الأوروبي ال27 رسالة إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يعلنون فيها تضامنهم مع الشعب التركي الذي «يواجه محنة مروعة».