قبل 180 عاماً جلس موظف روسي صغير اسمه ماكار ديفوشكين في غرفة باردة على أطراف بطرسبورغ، وأمسك قلماً ليكتب إلى جارته فارفارا. لم يكن يعلم أن حبره سيعبر القرون، ليصل إلينا في عام 2026، ليخبرنا أن الفقر لم يتغيَّر، بل تغيَّرت أشكاله فقط. 

رواية «الفقراء» لدوستويفسكي ليست سجلاً للفقر، بل هي تشريح للبؤس الذي يُصاحبه. لم ينشغل بعدد النقود الناقصة في جيب ماكار، بل بالخجل الذي يمنعه من طلب كوب شاي، وبالألف موتة صغيرة تسبقه كلما فكَّر في طلب زيادة في راتبه. واليوم تخبرنا الإحصاءات بأن مئات الملايين يعيشون تحت خط الفقر. رقم مذهل، لكن الرواية تذكِّرنا بحقيقة أبسط وأقسى، الخطر ليس في الرقم، بل فيما يفعله الرقم بالإنسان. فالفقير اليوم قد يملك هاتفاً بالتقسيط ويعمل في وظيفتين، لكنه يظل ذلك «الماكار» الذي ينتظر رسالة تؤكد له أنه ما زال حياً. 

لقد تغيَّر شكل الفقر أكثر مما تغيَّرت حقيقته. ففي زمن دوستويفسكي كان يعني غياب الخبز. أما اليوم، فقد يعني وجود العمل مع غياب القدرة على العيش الكريم. 

Ad

ملايين البشر في العالم يعملون بدوام كامل، لكن دخولهم لا تُواكب تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية، فظهر ما يُعرف بـ «الفقراء العاملين»، وهي إحدى أكثر مفارقات الاقتصاد الحديث قسوة. 

في قلب الرواية يقف بيجكوف، الرجل الذي يملك المال والسُّلطة، فيذل مَنْ يشاء لأنه يستطيع. لم يمت بيجكوف، بل تغيَّر اسمه. صار صاحب عملٍ يلقي بالأعباء على الأضعف، ومؤجراً يرفع الإيجارات بلا مبرر، ونظاماً يجعل الإنسان مجرَّد رقم. 

المشكلة ليست في أن العالم أصبح أقل قدرةً على إنتاج الثروة، بل إن توزيع الفرص لم يتطور بالسرعة نفسها، فازداد التفاوت واتسع. والمفارقة أن التكنولوجيا التي وعدت بتحرير الإنسان من المشقة، بدأت في كثيرٍ من القطاعات تحرره من وظيفته أيضاً. فالذكاء الاصطناعي لا يهدد العمالة الهامشية وحدها، بل يمتد إلى المهن المكتبية والإبداعية، ليجعل الأمن الوظيفي امتيازاً نادراً. أما ماكار وفارفارا فكانا يملكان شيئاً نفتقده اليوم رغم كل وسائل التواصل، كانت لديهما رسائل. كانت تلك الأوراق ملجأهما من الوحدة، فيما نملك اليوم مليارات الرسائل الرقمية، لكننا نفتقد الإصغاء. نعرف أخبار الجميع، ولا نعرف أوجاع أقرب الناس إلينا، فنرى كل ما لا نملكه، ونشعر بفقرٍ جديد لا تقيسه الإحصاءات. وأقسى ما في الرواية هو الأمل، ذلك الأمل العنيد الذي يدفع ماكار لشراء وردة بآخر ما يملك، ويجعل فارفارا تفرح بفستان مستعمل كأنه عيد. أما اليوم، فكثير من الوعود المؤجلة لا تغيِّر الواقع، فقد تحوَّل الأمل نفسه إلى سلعة. دورات «طور نفسك»، قروض «ابدأ مشروعك»، عملات رقمية «ستغير حياتك». ثم يبقى الإنسان يكتب الرسالة نفسها «لم يتغير شيء». 

دوستويفسكي لم يكتب رواية عن الجوع، بل عن الإنسان. وما دام في العالم إنسان يخجل من فقره أكثر مما يتألم منه، فإن رسائل ماكار لن تُغلق، وستظل تصل إلينا جيلاً بعد جيل. ويبقى السؤال الذي تركه لنا دوستويفسكي: هل سيكتفي العالم بقراءة الرسائل أم سيرد عليها؟