قبل أشهر قليلة من اندلاع الثورة السورية زُرت العاصمة دمشق، ضمن وفدٍ رسمي، والتقيت عدداً من الزملاء، رئيس الحكومة، وعدداً من الوزراء، من بينهم وزير الخارجية، ووزير الدفاع. وبعد انتهاء تلك اللقاءات دعاني رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، آنذاك، خالد مشعل مع الزميل عدنان الراشد إلى مأدبة عشاء في منزله بإحدى ضواحي دمشق.

خلال ذلك اللقاء فتحت معه ملف الخلاف بين حركتَي فتح وحماس، مستحضراً الوساطة التي قادها الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، والتي أثمرت اتفاق مكة عام 2007. قُلت له يومها إن الاتفاق لم يكن مجرَّد تفاهم فلسطيني داخلي، بل كان ثمرة جهدٍ عربي مخلص هدفه إنهاء الانقسام وتوحيد الصف الفلسطيني. وسألته: كيف يمكن للعرب أن يثقوا بكم إذا لم يُحترم اتفاق رعته المملكة، ولم تُقدَّر الجهود والدعم الذي قدَّمته دول الخليج للقضية الفلسطينية؟

لم تُعجبه تلك الأسئلة، وردَّ متسائلاً: لماذا تحمِّلون «حماس» وحدها مسؤولية فشل الاتفاق، ولا تحمِّلون الطرف الآخر المسؤولية؟ وكان جوابي واضحاً: المسؤولية مشتركة، وكل مَنْ أسهم في انهيار الاتفاق يتحمَّل نصيبه من تبعات الانقسام، لأن الخاسر الأكبر كان، ولا يزال، الشعب الفلسطيني.

Ad

اليوم، وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على ذلك اللقاء، أجد نفسي أستعيد ذلك الحوار في ضوء ما شهدته المنطقة من تطورات. فمن وجهة نظري أثبتت قيادة «حماس» أنها وبال على الشعب الفلسطيني، وأنهم مجموعة مرتزقة همهم الأكبر مصالحهم الخاصة، وأن هذه الحركة اتخذت خيارات سياسية لم تخدم القضية الفلسطينية، كان من أبرزها توثيق علاقتها مع النظام الإرهابي في إيران، وهو ما أراه ابتعاداً عن العُمق العربي، الذي احتضن القضية الفلسطينية عقوداً، وقدَّم لها الدعم السياسي والمالي والإنساني.

كما أن الحرب الأخيرة في غزة خلَّفت كارثة إنسانية هائلة دفعت أثمانها الباهظة الأُسر الفلسطينية من دمائها وأمنها واستقرارها. وبينما تتعدَّد القراءات حول أسباب ما جرى ومسؤولياته، فإن المؤكد أن المدنيين كانوا الضحية الأولى لهذه المأساة، وأن الانقسام الفلسطيني واستمرار الحسابات السياسية الضيقة لم يساهما في حماية الشعب الفلسطيني أو تعزيز قضيته.

إن القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، وأسمى من أي حسابات إقليمية أو حزبية. وهي تحتاج إلى قيادة تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار، وتحافظ على عُمقها العربي، وتُدرك أن الثقة تُبنى بالوفاء بالعهود واحترام الاتفاقيات وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الفئوية، ونحن لا نحتاج الحية ولا العقرب، فقد لدغنا منهما كثيراً!

والتاريخ لا يحفظ الشعارات، بل يحفظ المواقف التي تصون الأوطان وتحمي الشعوب.