استناداً إلى عنوان مقالنا السابق «فاتورة الولاء وثمن البقاء»، يبدو أن معركة بقاء جياني إنفانتينو على سدة رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» ستكون أطول وأغلى مما كان يتوقع، فالسويسري الذي نجح لسنوات في إدارة لعبة التوازن بين القارات، يقف اليوم أمام امتحان مختلف، وأن الطريق بدأ أمامه يضيق حتى باتت نهايته، في الوقت الراهن، تدور بين احتمالين لا ثالث لهما.

الأول أن يسقط الرجل قبل انتهاء ولايته، بالاستقالة، وهو احتمال يبدو مستبعداً في هذه المرحلة، أو أن يكمل الطريق حتى انتخابات مارس المقبل، ثم يدخلها في مواجهة مرشح يحظى بدعم أوروبي وأميركي شمالي ووسطي، في معركة قد تنتهي بإخراجه من المشهد، وفي الحالتين، ستكون أوروبا قد حققت شيئاً من أهدافها وهو استمرار نفوذها على طاولة القرار الكروي العالمي، وإعادة التذكير بأن القارة التي تملك الجزء الأكبر من ثقل اللعبة الاقتصادي والفني لا تريد أن تتحول إلى مجرد رقم في دفتر أصوات الفيفا.

أما السيناريو الآخر، فهو أن ينجح إنفانتينو في البقاء، ثم يفوز بولاية جديدة، وهو ما سيعني عملياً أن محاولته لتحييد النفوذ الأوروبي قد نجحت، وأن بقية القارات استطاعت انتزاع مساحة أكبر في مراكز صناعة القرار، لتتغير معها قواعد اللعبة في إدارة كرة القدم العالمية، لكن السؤال الأهم ليس: من سيبقى؟ بل كيف سيسقط الآخر؟

Ad

الأوروبيون بدؤوا باستخدام سلاح الإعلام، وفتح ملفات قديمة وإثارة تساؤلات حول قضايا شخصية وإدارية، بعضها لا تزال الاتهامات بشأنه محل نفي أو جدل، ومن المبكر التعامل معها باعتبارها حقائق محسومة، ويبدو أن سلة الاتهامات لم تُفرغ بعد، وربما احتفظ أصحابها ببعض الأوراق للجولات المقبلة، وليس مهماً هنا إن كانت كل الاتهامات ستصل إلى المحكمة أم ستبقى في صفحات الصحف، فالمعركة الانتخابية لا تحتاج دائماً إلى حكم قضائي، يكفي أحياناً أن تترك «علامة استفهام» في المكان الصحيح!

وفي الجهة الأخرى، يلعب إنفانتينو بطريقته المفضلة وهي إدارة المعركة على الأرض عبر استقطاب الاتحادات، واحداً بعد آخر، وقارة بعد أخرى، وحشد التأييد العلني، وتحويل كل بيان دعم إلى صورة جماعية تقول للمترددين: «أنا ما زلت أملك الأغلبية والمعسكر الآخر ليس بالقوة التي تتخيلونها»، فالهدف ليس فقط جمع الأصوات، وإنما إخافة المترددين من الانضمام إلى المعسكر الخطأ، وإجبار الصامتين على كشف أوراقهم قبل أن تبدأ اللعبة الحقيقية.

إلا أن الأمر المؤكد في ما سبق كله إنها انتخابات بدأت قبل أن تُفتح صناديقها، ومعركة لن يكون فيها الحكم على جودة التمرير أو عدد الأهداف، بل على عدد الأصوات، وفي كرة القدم، كما في السياسة، قد لا يفوز الأقوى دائماً، بل من يعرف كيف يعدّ الأصوات قبل أن يبدأ التصويت، وهكذا تحولت انتخابات رئاسة الفيفا إلى مباراة بدأت قبل صافرة البداية، وكل طرف يرفع شعار اللعب النظيف بيد، ويبحث باليد الأخرى عن «اللاعبين» القادرين على ترجيح الكفة.

بنلتي 

قد لا يحتاج إنفانتينو إلى شراء كل الأصوات، وربما لا يحتاج خصومه إلى إسقاطه كلهم، فيكفي أن يعرف أحد الطرفين من دفع الفاتورة، ومن قبض الثمن، ومن بقي ينتظر دوره!