الصحافية الكويتية فاطمة السلمان، التي خطفت القلوب بلغتها العربية الفصحى وخبرتها المهنية وإلقائها الرائع لموجز «كونا» الإخباري، جسّدت لنا خلال دقائق مثالاً مميزاً يحتذى به لمجابهة التحديات التي قد تقع عائقاً أمام كل شخص، لا سيما إنْ كان من ذوي الإعاقة البصرية، وكيف له أن يؤمن بقدراته وأن يبصر طريقه نحو الهدف المنشود ويحقق أحلامه.
هذه الإنسانة الرائعة التي أكدت أنها تحدّت إعاقتها بكل عزم وإصرار لتصبح صحافية، وذلك بعد رحلة دراسية جامعية في تخصص الإعلام، وخوضها تجربة تقديم برنامج على القناة الرسمية خلال فترة الدراسة، أثبتت للجميع أن الإعاقة البصرية لا تحول دون التميّز شريطة توافر بيئة داعمة تؤمن بالقدرات وتمكين الأشخاص من ذوي الإعاقة.
ومما لا شك فيه أن إنسانية المجتمعات تقاس بمدى قدرتها على احتضان جميع أفراد المجتمع، وبمقدار ما توفره من فرص عادلة ومتكافئة دون تمييز أو إقصاء. وفي دولة الكويت، أولت القيادة السياسية اهتماماً واضحاً بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، انطلاقاً من المبادئ الدستورية التي تؤكد المساواة وصون الكرامة الإنسانية.
وقد عززت الكويت هذا التوجه بانضمامها إلى اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وإصدار تشريعات وطنية تهدف إلى حماية حقوقهم وضمان مشاركتهم في المجتمع، وفي مقدمتها القانون رقم (8) لسنة 2010 بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي يعد من أبرز التشريعات بالمنطقة في مجال توفير الضمانات القانونية والخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والتأهيلية.
ويحظى الأشخاص المكفوفون بأهمية خاصة ضمن هذا الإطار الحقوقي، وذلك لما يواجهونه من تحديات يومية تتطلب توفير بيئة مهيأة تلبي متطلباتهم واحتياجاتهم. فالكتب بطريقة برايل، والتقنيات الناطقة، والخرائط اللمسية، وإتاحة المواقع الإلكترونية، وإمكانية الوصول إلى المرافق العامة، ليست امتيازات إضافية، إنما وسائل تكفل ممارسة الحقوق على قدم المساواة مع الآخرين.
بالإضافة إلى أن توفير فرص التعليم والتدريب والعمل يسهم في تعزيز استقلاليتهم الاقتصادية والاجتماعية، ويحوّلهم إلى شركاء فاعلين في عملية التنمية.
ومن هذا المنطلق، يجب علينا أن نعي أن تمكين الأشخاص المكفوفين ليس مجرد عمل خيري أو مبادرة اجتماعية، بل هو حق إنساني أصيل، وركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مجتمع يؤمن بأن قيمة الإنسان تقاس بما يمتلكه من قدرات وإمكانات، لا بما قد يواجهه من تحديات، فيجب تعزيز حضورهم في مواقع صنع القرار، وتشجيع مشاركتهم في الحياة الثقافية والإعلامية والرياضية، وإشراكهم في صياغة السياسات التي تمس حياتهم.
علاوة على ذلك، يتطلب من الجهات المعنية نشر ثقافة مجتمعية تقوم على احترام الاختلاف، وتقدير التنوع، والتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم شركاء متساوين في الحقوق والواجبات.
إن كل خطوة للأمام تزيل حاجزاً، وكل تشريع يرسخ المساواة، وكل فرصة عمل تمنح على أساس الكفاءة، وكل مدرسة أو جامعة أو مؤسسة تفتح أبوابها للجميع دون تمييز، تمثل استثماراً في الإنسان وفي مستقبل الوطن. وستظل الكويت، بما تمتلكه من منظومة تشريعية ومؤسسات وطنية وإرادة متواصلة لتعزيز حقوق الإنسان، قادرة على ترسيخ نموذج يؤكد أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما يكون الجميع شركاء فيها.
* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية