عندما أقارن فترة حكم الشاه بفترة حكم الملالي، أستغرب كيف كانوا يطلقون على الشاه لقب شرطي الخليج، ولم يكن يتدخل في شؤون الدول الخليجية كتدخل الملالي اليوم، وكأن شاه إيران حينها كان شرطياً مجرداً من السلاح، وأتعجب كيف أن العلاقات الثنائية بين إيران الشاه ودول الخليج العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية، كانت على أكمل وجه وبما يليق بمكانة الدولتين وحجمهما. ولا أذكر أن الشاه صرح ولو مرة واحدة بأنه يريد تصدير «النظام الإيراني» إلى دول الجوار كما يردده علينا الملالي اليوم، ويهددوننا به كل يوم. فماذا حدث حتى تغير كل شيء بمقدار 180 درجة، وصار التعامل مع أي شيء إيراني يثير الريبة والشك ومن ثم علامات الاستفهام؟ إنهم بالتأكيد جهلاء الدين الذين أشادوا بحكم الملالي المتشددين، حتى صاروا يصنعون لهم أصناماً بدأوا باختلاق طقوس حولها لم نكن نعرفها من قبل، ثم روجوا لتقديم القرابين لها.
ومنذ أن اعتلى الملالي سدة الحكم في إيران، حتى في عز صدمة مفهوم «تصدير الثورة» كانت شعوب المنطقة بأسرها تمني النفس أن يكون من صنع هذه الأصنام على حق. الغريب في المشهد الإيراني المتكرر كل يوم طوال العقود الخمسة الماضية، أن الإيرانيين هم الذين صنعوا أصنام الشاه وقدموا لها فروض الولاء والطاعة، وهم الذين حطموا أصنام الشاه وأتوا بأصنام حكام جدد، لم يقدموا لها فروض الولاء والطاعة فحسب، بل يحاولون إجبار المنطقة بأسرها على ممارسة نفس الطقوس التي بدأوها عند قيام ثورتهم.
وما أذرع إيران أو محور المقاومة سواء في لبنان أو سورية أو العراق أو اليمن إلا شكل من أشكال تصدير الثورة لدول مستقرة سياسياً وآمنة اقتصادياً منذ نشأتها، حتى جاءت إيران لتنفق عشرات المليارات من الدولارات الأميركية على هذه الدول لترسيخ مبادئ ثورتها طوال العقود الماضية. ولك أن تتخيل لو أن إيران وجهت تلك المليارات نحو التنمية الداخلية الشاملة، لكانت جمهورية إيران الإسلامية في نموها وتطورها تنافس ماليزيا وكوريا الجنوبية بدلاً من التركيز على التسلح. وليس في هذا الكلام أي مبالغة بعد نشر أرقام مليارية وجهت للأذرع الخارجية، لأنه مطروح منذ سنوات على أعلى المستويات في أروقة السياسة الإيرانية.
فقد أقر سياسيون إيرانيون مرموقون، وبطرق مختلفة، بأن الإنفاق على التدخلات الإقليمية جاء على حساب تطوير القدرات البشرية والتنمية الاقتصادية داخل إيران. واعترفوا أيضاً حول تكلفة الدعم الإيراني للخارج وخاصة لسورية والعراق، ومنهم الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، الذي أكد وجود أشكال مختلفة من الدعم المالي والعسكري لعدد من الدول. ومن بين تصريحات روحاني ما صرح به عام 2017 بأن إيران موّلت احتياجات العراق العسكرية وساعدت سورية في أصعب الظروف الاقتصادية. وأيده آخرون عندما شددوا على أنه كان ينبغي على إيران أن تجني فوائد اقتصادية من مساعداتها لسورية والعراق، وهو تصريح لم يعجب المتشددين الإيرانيين الذين وصفوا تصريحه بأنه يمثل رأيه الشخصي.
وعلى الرغم من أن الحرب الحالية دمرت البنية التحتية الإيرانية وأثرت في اقتصادها بشكل بالغ، مازال قادتها يكابرون ويدَّعون أنهم منتصرون حتى لو تعمدوا تقطيع حبال علاقات حسن الجوار مع دول المنطقة.