خطرت لأحد المعلمين فكرة مشروع تجاري تُعينه على نفقات الحياة بعد التقاعد، ففكَّر في مطعمٍ متخصص بالأكلات الشعبية، فردَّه حجم رأس المال وشراسة المنافسة. ثم فكَّر في مقهى، فتذكَّر أن المقاهي دخلت في مستويات احترافية وقد تكاثرت حتى صار في كل زاوية مقهى، وفي كل مقهى شاب يحمل شهادة «باريستا»، وكأنها آخر ما انتهت إليه علوم البشر.
ثم فكَّر في مشروع مطعم فلافل: رأسمال يسير، وأكلة مرغوبة من كل فئات المجتمع، لكنه لم يتخيل نفسه معلِّم رياضيات في الصباح، ثم معلِّم فلافل في المساء، يقف خلف طاسة الزيت، وتعبق ثيابه برائحة الزيت المقلي، فرأى الأمر بعيداً عن طبعه ومكانه. فابتعد عن مشاريع المطاعم والمقاهي بأسرها، وفكَّر في أن يدخل مجال التدريب والتنمية البشرية، حيث لا مطبخ ولا عمال، ولا بضاعة تكسد، إنما خبرة ولسان يُحسن الإقناع. وقال: هذا ملعبي، فقد أمضيت من عُمري ما يقارب الثلاثين عاماً وأنا أقنع الطلبة بأهمية جدول الضرب، وأنه ضرورة من ضرورات الحياة.
غير أنه لم يشأ أن يدخل السوق أعمى، فالتحق بدورة عند مدرب معتمد، لا ليتعلَّم مادتها وحدها، بل ليتفقد صناعة التدريب: ماذا بقي منها بعد المنصات التعليمية والذكاء الاصطناعي؟ وما حاجة الناس لهذه الدورات، بعد أن أصبحت المعلومات بالهاتف.
في اليوم الأول خُيِّل إليه أنه عاد إلى مطلع الألفية، حين كان بعض المدربين يلخصون كتاباً أجنبياً، ثم يقدِّمونه للناس على هيئة فتح فكري وتجربة شخصية. والواقع أنه لم يتغيَّر شيء سوى شرائح العرض، والمؤثرات، وبقيت البضاعة كما هي: أفكار مستوردة، يعرضها صاحبها بثقة مَنْ اخترعها.
يقول: رأيت مدرباً يتقمص شخصية الفيلسوف المعجب بأفكاره، وآخر يجيد العرض فيستعرض قدرته على التأثير والجذب، والمحتوى فقير! ورأيت مَنْ يملأ الدورة بالألعاب والتمارين، حتى تُصبح الجلسة أقرب إلى لعب أطفال منها إلى بناء مهارة!
عندئذ سأل نفسه: هل أصبحت دغدغة المشاعر أولى من عناء إعطاء المهارة المطلوبة للمتعلم؟ فالحماس سهل، والتصفيق أسهل، وإيهام الحضور بأنهم أبطال، شعور جميل، لكنه مزيف. وفي معظم هذه الدورات «الشكلية» لن يبقى بعد انفضاض المجلس إلا جرعة من النشوة ستخبو قبل أن يجف حبر الشهادة.
يقول: هنا أدركت أن التدريب نوعان: إما علمٌ نافع يعطى بإخلاص، وإما بهرجة تُنفخ فيها المعلومة الصغيرة حتى تبدو حكمة الدهر! ونحن في زمن لا نعاني نُدرة المعلومة، بل كثرتها، واختلاط صحيحها بسقيمها، فلا نحتاج إلى مَنْ يزيدنا كلاماً، بل إلى مَنْ يزنه، وينقحه من غثاء سيل المعلومات.
أما أخطر أنواع الدورات، فتلك التي تتسلل إلى النفوس بشعارات برَّاقة، فتضخم الأنا عند المتدرب باسم «تحقيق الذات»، وتفسد العلاقات الأسرية باسم «الحدود الشخصية»- فاحذروا منها يا إخوتي.
يقول: خرجت من هذه الدورات بسؤال مهم، هل عندي ما يستحق أن أقدمه للناس؟ وهذا سؤال مهم يجب أن يسأله كل مدرب لنفسه. فإن كان عنده علم نافع، وتجربة صادقة ومعرفة بأطباع البشر، وقدرة على بناء مهارة حقيقية، فالتدريب باب كريم وعلم نافع. أما إذا كان لا يُحسن إلا «تزويق» الكلام وتأجيج المشاعر، فإن بيع الفلافل بالزيت المقلي أشرف من بيع الأوهام.