لم يكن أخطر ما أحدثه الذكاء الاصطناعي في سوق العمل أنه غيّر طبيعة الوظائف، أو أعاد توزيع المهام بين الإنسان والآلة، بل إنه أعاد تعريف العلاقة بين المؤسسة والإنسان، وأعاد تشكيل مفهوم «الإنسان» داخل المنظومة الاقتصادية، فبينما ينشغل العالم بجنون الإنتاجية، وهوس الكفاءة، وخفض التكاليف، يتآكل الحضور الإنساني بصمت، حتى صار الإنسان يُختزل في خانة «الموارد البشرية»، ويتحول من كينونة نابضة إلى مجرد مدخل في جدول بيانات.

قبل سنوات، كانت السيرة الذاتية تصل إلى مسؤول توظيف يقرأها بعين الخبرة، ويبحث بين سطورها عن شخصية وطموح وقصة تستحق فرصة، وربما يغفر سقطة، أو يمنح فرصة لأنه رأى ما وراء الورق، أما اليوم فتعبر آلاف السير الذاتية أمام خوارزمية لا تعرف أصحابها، ولا ترى إلا ما بُرمجت عليه: كلمات مفتاحية، وشهادات، وسنوات خبرة، ومعايير أدخلها صاحب العمل مسبقاً، لتصدر قراراً قد يفتح باباً أو يغلق مستقبلاً، دون أن يلتقي إنسان بإنسان.

ولم يتوقف الأمر عند بوابة التوظيف، بل امتد إلى تفاصيل الحياة المهنية، فأصبحت خدمة العملاء تُدار عبر روبوتات محادثة، وتقييم الموظفين يعتمد على مؤشرات جامدة، والقرارات الإدارية تُبنى على تحليلات رقمية، حتى غدا الإنسان يُختزل في بيانات، ويُقاس بما تستطيع الخوارزمية حسابه، لا بما يقدمه من احتواء وإلهام ومرونة وحكمة لا تُقاس بالأرقام.

Ad

لا خلاف على أن الذكاء الاصطناعي يمثل قفزة حضارية هائلة ستعيد تشكيل مستقبل الاقتصاد والإدارة والتعليم والصناعة، لكن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح ليس: إلى أي مدى أصبحت الآلة ذكية؟ بل: إلى أي مدى ما زال الإنسان حاضراً في القرارات التي تمس مصيره؟

فالآلة تستطيع أن ترتب السير الذاتية، لكنها لا تستطيع أن تكتشف الشغف المختبئ خلف تجربة متعثرة. وتستطيع أن تحلل الأداء، لكنها لا تعرف الظروف التي أنهكت موظفاً، أو الموهبة التي لم تتح لها الفرصة بعد. إنها لا ترى إلا ما أُعطيت من بيانات، بينما يظل الإنسان وحده قادراً على قراءة ما بين السطور، حيث تولد الفرص، وتنمو المواهب، وتُبنى الثقة التي لا يمكن برمجتها.

وحين يخضع كل شيء للحسابات الرقمية، يفقد سوق العمل شيئاً من روحه، ويتحول إلى سوق بلا قلب، تصبح فيه المؤسسة آلة، والموظف ترساً، والعميل رقماً، غير أن المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالكفاءة وحدها، بل بالثقة والانتماء والاحترام، وبالإيمان بأن قيمة الإنسان تتجاوز ما ينتجه، فالموظف لا يبحث عن راتب فقط، بل عن شعور بأنه مرئي ومقدَّر، والعميل لا يريد حلاً سريعاً فحسب، بل أن يشعر بأن هناك من فهمه، وأن قلباً لا يزال ينبض خلف الشاشة.

إن المستقبل لن يكون صراعاً محتوماً بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل اختباراً وجودياً لقدرة المجتمعات على تحقيق توازن بين العقل الصناعي والقلب الإنساني، فكل تقدمٍ تقني يفقد الإنسان مكانته الأخلاقية والاجتماعية ليس تقدماً مكتملاً، بل انتكاسة في ثوب الحداثة، وكل مؤسسة تستبدل اللمسة الإنسانية بالخوارزمية قد تربح في مؤشرات الأداء، لكنها تخاطر بخسارة أثمن ما منحها النجاح منذ البداية: الإنسان، بكبريائه، وضعفه، وأحلامه، وتلك الروح التي لا تستطيع أي خوارزمية، مهما بلغت من الذكاء، أن تمتلكها.

* إعلامية بحرينية