منذ 28 فبراير الماضي حتى يومنا هذا والولايات المتحدة الأميركية تقصف مواقع حيوية في جمهورية إيران الإسلامية من بوارجها القابعة في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب، وكانت بدايتها بمشاركة مؤثرة من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي. وبدلاً من أن ترد إيران على هذه الهجمات العدائية وتقصف البوارج الأميركية والمواقع الإسرائيلية الحيوية داخل الكيان المحتل، اتجهت إيران نحو الدول الخليجية لقصف منشآت نفطية ومؤسسات مدنية ومراكز حدودية ومناطق سكنية، مدعية أنها تقصف مواقع تزود القوات الأميركية بالوقود لمنع اعتداءاتها، كما تدعي أنها تقصف قواعد أميركية بدول الخليج كانت قد أخليت أصلاً من الجنود والعتاد. 

هذه الأوضاع ذكرتني بحكاية كنت شاهداً عليها، ففي مساء يوم الجمعة الموافق 14 مايو 1978 شاركت شبكات التلفزيون الأميركية في الاحتفال بالعيد الثلاثين لقيام الكيان الصهيوني، واشترك في هذا الاحتفال كبار الفنانين اليهود في هوليوود، من بينهم باربارا سترايساند وهنري ونكلر وهنري فوندا وجين فوندا، الذين أجروا لقاءً مباشراً مع غولدا مائير ليقدموا لها التهاني، بعدها بيومين صادفت البروفيسور هارولد مندلسون، أميركي يهودي، وكان عميداً لكلية الإعلام بجامعة دنفر، لأسأله عن رأيه بهذا الاحتفال، فقال: «إن مثل هذا الاحتفال يقام سنوياً في الولايات المتحدة الأميركية، وله تأثير ملحوظ على الرأي العام الأميركي، ولو أن العرب أقاموا احتفالاً يضاهي بنسبة 10% مما أنجزته شبكات التلفزيون الأميركية للدفاع عن القضية الفلسطينية لتغيرت وجهة نظر الأميركيين بمقدار 180 درجة، ولكنكم لا تقدمون على الدفاع عن قضاياكم بشكل فاعل».

وتذكرت حينها، وفي تلك الحقبة، ما قامت به شخصية سياسية كويتية مرموقة من محاولات الولوج إلى أي من شبكات التلفزيون الأميركية بمقابل مادي (معتبر) لشرح القضية الفلسطينية دون جدوى، بسبب تدخل اللوبي الصهيوني لإفشال العرب في التأثير على اتجاهات الرأي العام الأميركي، حتى وإن كانت غالبية الشعب الأميركي تساند إسرائيل آنذاك.

Ad

اليوم تذكرت هذه الحادثة وأنا أعيش الاعتداءات الإيرانية الغادرة على دول المنطقة دون مبرر منطقي، ورغم ذلك نجد في المقابل قنوات تلفزيونية خليجية تواصل استضافة محللين إيرانيين يدافعون باستماتة عن نظامهم الإيراني، حتى في ذروة اعتداءات الحرس الثوري على بلداننا الآمنة. هذا الوضع المقلوب ذكرني بالمثل الكويتي «قطو طقيته بمصير»، أي أنك عندما تحاول إبعاد قطة عنك فتضربها بمصارين (أمعاء) السمكة، التي تتلذذ القطط بأكلها، وتصرفك هذا تراه القطة «عز الطلب»، لأنك حققت مطلبها بأكل لذيذ.

وهذا بالضبط ما يحدث اليوم مع القنوات الخليجية، التي تستضيف محللين إيرانيين للإدلاء بآرائهم حول الحرب الدائرة في منطقة الخليج ليدافعوا عن إيران وليس عن دول المنطقة. الغريب أن معظم هؤلاء المحللين أكاديميون وسياسيون يعيشون في طهران، ولهذا فهم لا يملكون القدرة على انتقاد سلوكيات الحرس الثوري المشينة، لأنه جهاز أمني استطاع أن يسكت القيادات العليا في النظام السياسي الإيراني، فما بالك بهؤلاء المحللين؟ ولا أعتقد أن مسؤولي هذه القنوات الخليجية التي فتحت أبوابها بالمجان للإيرانيين، ولا المشاهدين الذين يتابعون هذه البرامج الحوارية السياسية قد أفادوا من أطروحات غير منطقية لإيرانيين وجدوا ضالتهم في قنوات عربية لشرح وجهة النظر الإيرانية فقط.