«نِقَّي نقيقَكِ فماَ أَنْتِ إِلاَ حُبَارَى»، مثل قديم يقال للضعيف الجاهل، قليل الفعل، قليل الحيلة، ولكنه كثير الجَلَبَة، شديد الصياح.
وراء هذا المثل حادثة، فقد حصل أن رجلاً صاد طائر «الحُبارى»، وهي بطيئة الحركة، ضعيفة، ولكنها إذا حُوصِرت تُصدر ضجيجاً مرتفعاً يُشبه نقيق الضفادع، وتنتفخ لتبدو أكبر من حجمها لإخافة عدوها، فلما أطبق عليها الصياد أخذت تَنُقّ بقوة، فضحك الصياد من هيئتها وصراخها، فقال لها: «نِقِّي نَقِيقَكِ، فَمَا أَنْتِ إِلاَّ حُبَارَى». فالحُبارى يُضرب بها المثل في الضعف والغفلة، حتى قالت فيها العرب: «أحمقُ من حُبارى»، و«أعجز من حُبارى».
وهناك أمثلة عربية وشعبية كثيرة لها المعنى والمغزى نفسه، وكلها تدور حول من يدّعي ما ليس فيه من قوة وعزم، ومنها: «نَسْمَعُ جَعْجَعَةً وَلا نَرَى طحيناً»، والجَعْجَعَة هي الصوت المرتفع للرحى أو الطاحونة، وهي تدور من غير طحين، وهو شبيه بالمثل الشعبي: «الهرج وايد والصمايل جليلة»، فالهرج هنا هو كثرة المهايط والصياح والتباهي، تقابله قلة الأفعال، وقلة الحزم وقت الشدة.
وهناك قصة طريفة عن ادّعاء القوة والتباهي بها، صاحبها أبو دُلامة، وهو شاعرٌ عُرف بظرفه وقربه من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، كما عُرف عنه تظاهره بالشهامة والبأس، وبنظمه لقصائد في الهجاء والوعيد والشجاعة، فحصل أن تمردت جماعة من الخوارج على الخليفة فخرج عليهم بجيشه واصطحب معه أبا دُلامة.
فلما التقى الجيشان، برز رجلٌ من الخوارج عظيم الجثة وصاح بصوتٍ هزَّ الوادي يريد فارساً يبارزه، فالتفت الخليفة إلى أبي دُلامة، وقال له: قم إلى هذا الخارجِيّ فبارزه، ذُعر أبو دُلامة وتغير لونه، واصطكت ركبتاه، لكنه لم يستطع عصيان أمر الخليفة، فتقدم خطواتٍ ثم التفت إلى الخليفة، وقال متوسلاً: يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المبارز؟ والله إنني لا أعرفه، ولا هو يعرفني، ولا بيني وبينه أيُّ عداوةٍ أو ثأر، فما بالي أخرج لأقتله أو يقتلني بلا سبب؟ إلا أن الخليفة قال له بنبرة حازمة: أقسمتُ عليك لتخرجنَّ إليه.
تقدم أبو دلامة وهو يجر رجله جراً، ثم كشف عن وجهه للخارجي، وقال له همساً: يا أخي، هل تعرف من أنا؟ قال الخارجي بغضب: لا، ومن تكون؟ قال: أنا أبو دُلامة، شاعر أمير المؤمنين، وأُمِّي شيخةٌ كبيرة ليس لها ولدٌ غيري، وزوجتي حزينة تنتظرني، وأطفالي صغار سيتيتمون لو قُتلت، وإنما أخرجني الخليفة رغماً عني، فهل لك أن ترحم ضعفي وتتركني أرجع بسلام؟ ضحك الخارجي حتى كاد يسقط عن فرسه، وقال له: ويلك يا أبا دُلامة، ارجع إلى أهلك، فما مِثلك مَن يُقتل، رجع أبو دلامة ركضاً نحو جيش الخليفة وهو ينشد:
أَبَا جَعْفَرٍ إِنِّي أَعُوذُ بِذِمَّةٍ لَدَيْكَ وَلا تَبْعَثْ إِلَى الْحَرْبِ أَعْمَى
فَلَسْتُ بِمُشْتَاقٍ إِلَى لَثْمِ جَنَّةٍ وَلا طَالِبٍ يَوْماً عَرُوساً بِمَعْمَى
حكاية طريفة ظريفة، ولكنها تكشف عن معدن الرجال وقت الشدائد، فهي التي تفضح مَن يتباهى بما ليس فيه.