يخلط كثير من الناس بين الهم والغم، ويظنون أنهما وجهان لمعنى واحد، بينما فرّقت اللغة العربية بينهما بدقة لافتة، وجاء العلم الحديث ليكشف أن تأثير كل منهما على الدماغ والنوم ليس متطابقاً.
فالهم هو انشغال العقل بما لم يحدث بعد، قلق من المستقبل، أو انتظار لنتيجة، أو خوف من قرار، أو تفكير لا يتوقف في احتمالات قد تقع وقد لا تقع. ولهذا يبقى الدماغ في حالة يقظة واستنفار، حتى عندما يحاول الجسد أن ينام، فيصبح الدخول في النوم أصعب، ويزداد الأرق كلما طال التفكير.
أما الغم فهو ضيق وحزن يسببه أمر وقع بالفعل، فقد عزيز، أو مرض، أو خسارة، أو تجربة مؤلمة لا يمكن تغييرها. هنا لا ينشغل العقل بما سيحدث، بل يثقل القلب بما حدث، لذلك قد لا يمنع الغم النوم دائماً، لكنه كثيراً ما يجعل النوم أقل عمقاً، ويترك صاحبه يستيقظ وهو لا يزال يشعر بثقل في نفسه.
لكن الخبر الجميل أن النوم ليس مجرد فترة راحة للجسد، بل هو أحد أعظم النعم التي وهبها الله للإنسان ليستعيد بها توازنه النفسي والعصبي.
فأثناء النوم، ولا سيما النوم العميق ونوم الأحلام (REM)، تنخفض هرمونات التوتر، ويستعيد الفص الأمامي من الدماغ قدرته على ضبط الانفعالات، بينما يهدأ نشاط المراكز المسؤولة عن الخوف والقلق، ولهذا تبدو المشكلات التي بدت مستحيلة ليلاً أكثر وضوحاً في صباح اليوم التالي، ليس لأن المشكلة تغيرت، بل لأن العقل أصبح أكثر قدرة على التعامل معها.
ومن هنا نفهم لماذا يكون للنوم أثر واضح في الهم، فهو لا يمحو أسباب القلق، لكنه يخفف من حدته، ويحول التفكير من دوامة من المخاوف إلى تفكير أكثر هدوءاً ومنطقية.
أما الغم فالنوم لا يغيّر الحدث الذي سببه، لكنه يغيّر طريقة تعامل الدماغ معه، فقد أظهرت الدراسات أن الدماغ يعيد أثناء النوم تنظيم الذكريات والانفعالات، فيحتفظ بالذكرى، لكنه يخفف تدريجياً من الشحنة العاطفية المصاحبة لها، ولذلك قد نستيقظ وما زال الحزن موجوداً، لكنه أصبح أقل قسوة وأكثر احتمالاً.
ولعل الكثير منا مرّ بتجربة شعر فيها بأن مشكلة كبيرة بدت بلا حل عند منتصف الليل، ثم بدت في الصباح أقل تعقيداً. هذه ليست مجرد مصادفة، بل هي إحدى الوظائف المذهلة للنوم، إذ يعيد ترتيب الأفكار، ويوازن المشاعر، ويمنح الدماغ فرصة لإعادة تقييم الأمور بهدوء.
ولهذا فإن السهر في أوقات القلق قد يكون من أسوأ القرارات التي نتخذها، فكل ساعة نحرم فيها أنفسنا من النوم تزيد من نشاط مراكز التوتر، وتضعف القدرة على اتخاذ القرار، وتغذي دائرة القلق والتفكير المفرط، فيكبر الهم ويشتد أثر الغم.
إن النوم ليس هروباً من الواقع، بل استعداد أفضل لمواجهته. إنه العلاج المجاني الذي يمنح الدماغ فرصة ليعيد تنظيم نفسه، ويمنح القلب مساحة ليلتقط أنفاسه.
قد لا نستيقظ وقد تغيرت الظروف، لكننا غالباً نستيقظ وقد تغيرت قدرتنا على التعامل معها.
فالهم يرهق العقل، والغم يثقل القلب، أما النوم الجيد فيمنح كليهما فرصة للشفاء، ويعيد إلى الإنسان شيئاً من صفائه واتزانه، ليبدأ يوماً جديداً بعقل أكثر هدوءاً، وقلب أكثر قوة، ونفس أكثر طمأنينة.
ولعل أجمل ما في النوم أنه لا يغيّر الماضي، ولا يضمن المستقبل، لكنه يمنح الإنسان في كل صباح فرصة جديدة ليواجه كليهما بقلب أخف، وعقلٍ أكثر حكمة.
* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية،
وزارة الصحة.
قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.