رغم تراجع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عن إعلانه بيع حصة من عملياته التجارية للمستثمرين، فإن الغضب الكبير من الاتحادات القارية، لا سيما الأوروبي، والآسيوي، والكونكاكاف، لا يزال متصاعداً، في مشهد يعيد إلى الأذهان الصراع المتفاقم خلال السنوات الأخيرة بين التوجه التجاري أو الرأسمالي في كرة القدم وشعبية اللعبة وجماهيريتها.

فمشروع إنشاء شركة جديدة يؤسسها «فيفا» تحمل اسم «فيفا فوورورد إنتربرايز» تجمع تحتها البطولات الدولية، مثل كأس القارات أو كأس العالم للأندية، والأهم طبعاً كأس العام (المونديال)، حيث يباع 25 في المئة من هذه الشركة لمستثمرين يضخون 4.2 مليارات دولار حسب تقييم البنك الاستثماري «جي بي مورغان» أعاد إلى الأذهان العاصفة التي اندلعت قبل نحو 5 سنوات عندما أعلن البنك نفسه أنه سيكون الراعي والممول الرئيسي لبطولة يقود تسويقها رئيس نادي ريال مدريد، فلورنتينو بيريز، تسمى الـ «سوبر ليغ».

ذكرى الـ «سوبر ليغ»

Ad

مثّلت الـ «سوبر ليغ» وقتها انشقاقاً عن بطولتي كأس الأبطال الأوروبي (تشامبيونز ليغ) والدوري الأوروبي (يوربا ليغ)، بحيث تتركز المنافسات بين الأندية الأغنى والأكبر، مما اعتبر وقتها مشروعاً لبيع كرة القدم يحرم الأندية والدول المحدودة الثروة من المنافسة في البطولات الجماهيرية، وتم طيّه بعد أن عارضته حكومات أوروبية، واتحادات محلية وقارية، مثل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) وكذلك «فيفا» نفسه، فضلا عن حكومات أوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

غير ربحية

بالأصل يُصنف «فيفا» كمنظمة غير ربحية، مع ذلك من المنتظر أن يعلن عن إيرادات قياسية تناهز 15 مليار دولار من «مونديال 2026»  مدعومة بارتفاع عائدات البث التلفزيوني والرعاية التجارية وتذاكر المباريات، حيث تصنف هذه الإيرادات بأعلى إيرادات تاريخية لـ«فيفا» من بطولة واحدة، وتعادل إيرادات مونديالي 2018 

و2022 معاً.

يُذكر أن القيمة التجارية للرياضة بمختلف ألعابها توازي 800 مليار دولار إلا القيمة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة كفرص العمل أو البنى التحتية أو الخدمات ترفعها إلى 2.6 تريليون دولار، أي ما يوازي 2.3 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي، فيما تمثل كرة القدم وحدها 0.6 في المئة.

إغراءات وأسئلة 

ومع أن رئيس «فيفا»، الإيطالي، جياني إنفانتينو، روّج لمشروعه الاستثماري عبر إغراء الاتحادات القارية والمحلية بزيادة ضخمة في الإيرادات تبلغ 10 مليارات دولار ستستثمر في كرة القدم ما بين أعوام 2027 و2030، أي ما يعادل الاستثمارات الحالية بنحو 3 أضعاف الرقم الحالي البالغ 3.6 مليارات دولار، وأغلب هذه الزيادة سيوجه إلى دعم  الاتحادات الوطنية الـ 211 في الجمعية العمومية لـ«فيفا»، فإن أسئلة جوهرية حول استقلالية وحيادية اللعبة الأكثر انتشاراً في العالم ظلت دون أجوبة.

مخاوف نخبوية 

فالاتحادات القارية، كالأوروبي والآسيوي والكونكاكاف عبّرت عن مخاوفها من أن يمنح دخول المستثمرين في كيان «فيفا» الاستثماري سلطة في اتخاذ قرارات تجارية أو انحيازاً للكيانات الثرية، بما يحول كرة القدم من رياضة شعبية جماهيرها من مختلف الفئات المعيشية إلى لعبة نخبوية كالفورمولا أو الغولف موجهة للأثرياء... وقد تعاظمت هذه المخاوف مع ضبابية العلاقة بين رئيس «فيفا» إنفانتينو والرئيس الأميركي دونالد ترامب.

كارت ترامب

فأوساط كرة القدم تحدثت عن شكوك في علاقة منافع أو تعارض مصالح بين إنفانتينو وترامب، إذ حصل الرئيس الأميركي على جائزة «فيفا» الأولى للسلام في ديسمبر 2025 ليصبح أول فائز بهذه الجائزة.

كما استطاع ترامب، على نحو غير مألوف، أن يلغي البطاقة الحمراء في مونديال 2026 عن لاعب المنتخب الأميركي، فولارين بالوغون، مما أثار مخاوف بشأن استقلالية المؤسسات الرياضية وحدود النفوذ السياسي على «فيفا» ورياضة كرة القدم.

هذه الشكوك والمخاوف تعززت أكثر مع طرح اسم شركة ثرايف كابيتال التي أسسها جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، ​(صهر ترامب) من المتوقع ‌أن تؤدي دوراً ​⁠في جانب الترويج للحقوق التجارية في المشروع ​المقترح.

عاصفة انتقادات 

وربما لم يكن «فيفا» بحاجة إلى عاصفة انتقادات تجاه مشروعه الاستثماري في وقت تتنامى التساؤلات حول المحافظة على هوية وشعبية كرة القدم من ناحية إن كانت المقترحات التي يروجها إنفانتينو مثل إقامة كأس العالم كل عامين بدل 4 سنوات أو رفع عدد المنتخبات المشاركة في المونديال من 48 إلى 64 منتخباً، أو التسامح مع زيادة أسعار تذاكر المباريات أو إعطاء مساحة أوسع للرعايات التجارية والإعلانات، تستهدف زيادة المداخيل المالية على حساب مستوى كرة القدم وشعبيتها كلعبة جماهيرية قاعدتها مليارات البشر.

خصوم وحلفاء 

ولم تقتصر عاصفة الانتقادات تجاه رئيس «فيفا» إنفانتينو على خصومه في الاتحادين الأوروبي أو الآسيوي لكرة القدم أو الاتحادات الوطنية التي رأت أنه «فقد الثقة» مثل الاتحادات الإنكليزي أو الويلزي أو الأردني أو السويدي وغيرها، بل امتدت الانتقادات إلى حلفائه داخل «فيفا» كالمدرب الفرنسي السابق لأرسنال الإنكليزي أرسين فينغر، الذي عيّنه إنفانتينو عام 2019 مديراً لتطوير كرة القدم العالمية في «فيفا» أو الأمين العام السويدي لـ «فيفا» ماتياس غرافستروم، الذي وجّه رسالة إلى موظفي الاتحاد نأى بنفسه عن إنفانتينو في هذه القضية، وكذلك المدير التنفيذي للعمليات في «فيفا» الفرنسي كيفن لامور، حيث انتقد مشروع إنفانتينو بشدة الجمعة، وطالب المطلعين الاحتفاظ بجميع «المواد ذات الصلة»، تمهيداً للمحاسبة.

انتصار للمعايير 

لا شك في أن تراجع «فيفا» عن مشروعه الاستثماري بقدر ما مثّل ضربة قوية لتطلعات إنفانتينو بتعظيم إيرادات كرة القدم، وهو حق مشروع لأي منظمة، بل وتطلعاته لتجديد رئاسته لـ «فيفا» لدورة انتخابية مقبلة، وقد يتجدد بصور وسيناريوهات أخرى في المستقبل، فإنه في المقابل مثّل انتصاراً لمعايير الحوكمة والشفافية وعدم تعارض المصالح، بل وأهمية بيان طبيعة أي مشروع ومساره ومدى توافقه مع الأهداف الخاصة بأي منظمة حتى لو كانت الإغراءات

 المالية ضخمة، وهو ما يثبت أن كرة القدم ليست مجرد «طمباخية» إنما كيان مؤسسي يحاول أن يحافظ رغم المطامع والضغوط وحتى الاختراقات على حياديته واستقلاليته وحماية شعبية اللعبة.